كاتبة وصحفية تركية، عُرفت بإسهامها في ترسيخ حضور المرأة المحجبة في المجال العام ودورها في إقبال الفتيات على الحجاب، في فترة كان فيها موضع جدل سياسي واجتماعي واسع في تركيا. بدأت كتابة القصص في سن الرابعة عشرة، ثم دخلت عالم الصحافة وكتبت في عدد من الصحف والمجلات، واجهت خلال مسيرتها تحديات وصدامات عدة، غير أنها تمسكت بقناعاتها.
لم تتبنَّ شوله الحجاب منذ نشأتها، بل خاضت رحلة من البحث والتأمل انتهت بارتدائه في سن السابعة والعشرين. وفي تلك الفترة، كانت من بين النساء القليلات في مجال الصحافة، واكتسبت كتاباتها صدى واسعا، قبل أن توسع نشاطها بإلقاء المحاضرات في أنحاء تركيا، لتصبح نموذجا لفتيات وشابات تبنين أسلوبها في ارتداء الحجاب، حتى عرف باسمها “شوله باش”.
جاء هذا التأثير وسط عقبات وصدامات مع المجتمع والسلطات؛ إذ رُفعت ضدها دعاوى بتهمة مخالفة مبادئ العلمانية، كما دخلت في مواجهة مع الرئيس جودت صوناي انتهت بسجنها عام 1971 لمدة 8 أشهر. وعلى الرغم من إصدار الرئيس عفوا عنها بعد شهرين، رفضت شينلر العفو وأصرت على إتمام مدة عقوبتها.
توفيت شوله يوكسل شينلر عام 2019، عن عمر ناهز 81 عاما، بعد صراع طويل مع المرض. وظل إرثها الأدبي والصحفي وتأثيرها في مسألة الحجاب حاضرا في النقاش العام التركي، وجعل اسمها موضع تقدير في الأوساط المحافظة، وفي الوقت نفسه مثار جدل في سياق العلاقة المتوترة بين التيارين المحافظ والعلماني في تركيا.
المولد والتكوين
وُلدت يوكسل شينلر في 29 مايو/أيار 1938 بمدينة قيصري التركية، لعائلة تنحدر من أصول قبرصية، وكانت الثالثة بين ستة أبناء.
في السادسة من عمرها، ترك والدها عمله في قيصري، وانتقلت الأسرة إلى إسطنبول، حيث استقرت وبدأت شينلر مراحل تعليمها الأولى. فالتحقت بالمدرسة الابتدائية في حي الفاتح، حيث كانت الأسرة تقيم آنذاك، ثم واصلت دراستها في مدرسة قوجا راغب باشا الابتدائية بعد انتقال العائلة إلى حي السليمانية.
لاحقا، التحقت بمعهد تعليم الفتيات لمواصلة دراستها الإعدادية، غير أنها اضطرت إلى ترك الدراسة في الصف الثاني بسبب مرض والدتها. ووفقا لجمعية اللغة والأدب التركية، بدأت شينلر بعد ذلك العمل لدى خيّاطة في إسطنبول، حيث اكتسبت خبرة في التصميم والخياطة، وهي خبرة ستوظفها لاحقا في ابتكار تصاميم لأغطية الرأس والمعاطف الطويلة.
كانت شوله شغوفة بالأدب، فكانت تقضي أوقات فراغها في القراءة، وانفتحت في قراءاتها على مجموعة متنوعة من الأدباء، من بينهم كريمة نادر، ومعززة تحسين، وبيامي صفا، ونِهال أتسز، والروائي الروسي ليو تولستوي.
تلقت شوله أيضا تعليما في الرسم والموسيقى والعزف على الناي والقانون.

المسيرة الكتابية
انخرطت يوكسل شينلر في الكتابة منذ سن مبكرة؛ ففي الرابعة عشرة من عمرها، نُشرت أولى قصصها في مجلة “يلبازه”، وكانت توقع كتاباتها باسم “شوله يوكسل” حتى لا يُظن أنها رجل؛ إذ يشيع اسم يوكسل أكثر بين الذكور.
وفي الخامسة عشرة والسادسة عشرة، واصلت نشر قصصها في صحيفة “يني إسطنبول” (إسطنبول الجديدة)، قبل أن تعمل في سن العشرين كاتبةَ عمود في صحيفة “المرأة”.
وخلال مسيرتها الصحفية، كتبت شينلر في عدد من الصحف، من بينها “هُر سوز” (الكلمة الحرة) و”ميللي غازيتيه” (الجريدة الوطنية)، كما انضمت إلى هيئة تحرير صحيفة “بوغون” (اليوم).
الحجاب والتأثير
كان لشوله شقيق يُدعى أوزر شينلر، يكبرها بثلاثة أعوام، وكان من تلاميذ العالم الكردي التركي سعيد النورسي، صاحب “رسائل النور”. وقد دأب أوزر على حث شقيقته على ارتداء الحجاب، غير أنها ظلت ترفض نصائحه لفترة طويلة.
لكن خلال فترة ألمّ به مرض شديد، وافقت شوله على طلب شقيقها المشاركة في جلسات لقراءة “رسائل النور”، استمرت عامين. وشكلت هذه المرحلة نقطة تحول في حياتها، إذ خاضت خلالها رحلة من البحث والتأمل، بدأت على إثرها أداء الصلاة، ثم قررت ارتداء الحجاب عام 1965.
ووفقا لموقع مؤسسة مدنييت، لم يلقَ قرار شوله بارتداء الحجاب ترحيبا من جدتها؛ إذ شبهتها بـ”الخادمة”، ودعتها مرارا للتخلي عنه، غير أن محاولاتها لم تثنِ شوله عن قرارها.

في تلك الفترة، كان حضور النساء في مجال الصحافة نادرا أصلا، مما أكسب شوله اهتماما مضاعفا، بوصفها امرأة وصحفية محجبة. وكانت تدافع عن حق الطالبات المحجبات في الالتحاق بالجامعات ومواصلة تعليمهن بحجابهن، كما سعت إلى ترسيخ الحجاب في حياة المرأة المسلمة المتعلمة، وحثت الشابات على التحرر من “قبضة/أسر الموضة”.
ومع تزايد الاهتمام بها، بدأت شوله تجوب أنحاء الأناضول، تلقي محاضراتها في مدن مختلفة. وبسبب الإقبال الكبير عليها، كانت بعض محاضراتها تُبث عبر مكبرات صوت مآذن المساجد، فيما تحولت ميادين بعض المدن إلى ساحات تجمع فيها الناس للاستماع إليها.
غير أن هذا الحضور المتزايد لم يخلُ من الجدل؛ فقد أعقبه عدد من الدعاوى وقرارات الاعتقال. ومن أبرز الوقائع التي طبعت هذه المرحلة وأسهمت في اتساع شهرتها، نشرها في يناير/كانون الثاني 1967 مقالة بعنوان “خطاب إلى المرأة المسلمة” في مقدمة صحيفة “يني استقلال”. وعلى إثر ذلك، تقدم اتحاد النساء التركيات ببلاغ ضد شوله وإدارة الصحيفة، متهما إياهما بمخالفة مبدأ العلمانية.
وفي الجلسة الثانية من المحاكمة، صدر حكم ببراءة شوله. وتلقت شوله بعد ذلك عرضا للعمل كاتبة عمود في صحيفة “بوغون”.
ومع اتساع تأثيرها، أصبحت شوله قدوة لفتيات كثيرات تبنين أسلوبها في ارتداء الحجاب، حتى أطلق على هذا النمط اسم “شوله باش” (Şule Baş)، وهو تعبير يعني حرفيا “رأس شوله”.
وبالتوازي مع نشاطها في المحاضرات والكتابة، كانت شوله تعمل، إلى جانب شقيقها، على تصميم نماذج عصرية لأغطية الرأس والمعاطف الطويلة، وتنشرها في مجلة “سحر فاكتي” (وقت السَحر)، التي أصبحت رئيسة تحرير فيها.

السجن
في عام 1967، هبط البابا بولس السادس في تركيا، في زيارة أثارت جدلا واسعا. وكان في استقباله الرئيس آنذاك جودت صوناي، ورئيس الوزراء سليمان ديميريل، ووزير الخارجية إحسان صبري تشاغلايانغيل في مراسم رسمية.
وخلال الزيارة، توجه البابا إلى عدد من المواقع، من بينها مسجد آيا صوفيا، الذي كان في ذلك الوقت متحفا يُحظر فيه أداء الشعائر الدينية، وهناك وقف البابا وأدى صلاته.
وفي خضم ردود الفعل الغاضبة، نشرت شوله يوكسل مقالة بعنوان “ابكوا يا إخوتي المسلمين، ابكوا”. وعلى إثرها، رُفعت ضدها دعوى بتهمة إهانة الرئيس جودت صوناي.
وتجدد التوتر عام 1971، بعدما ورد عن الرئيس قوله “رائدات النساء والفتيات المحجبات في الشوارع سيدفعن ثمن أفعالهن”، وهو ما فُسر على نطاق واسع بأنه يستهدف شوله. وردت شوله برسالة أكدت فيها أن على رئيس الجمهورية أن يعتذر إلى الله وإلى الشعب.
وفي العام نفسه، اعتُقلت شوله في سجن بورصة بتهمة إهانة رئيس الجمهورية. وبعد شهرين من اعتقالها، أصدر الرئيس عفوا عنها، لكنها رفضت قبوله، وفضّلت إتمام مدة عقوبتها في السجن، فقضت فيه 8 أشهر، وفقا لوكالة الأناضول.
وبعد خروجها من السجن، واصلت شوله تقديم المحاضرات، متنقلةً بين مختلف أنحاء تركيا.

أبرز المؤلفات
في عام 1970، نشرت شوله روايتها “شارع السلام”، التي جسدت صراع الهوية بين القيم الإسلامية وضغط الماديات، وحظيت باهتمام واسع وتركت بصمة بارزة في الأدب التركي، محققة أرقاما قياسية في المبيعات منذ صدورها. ووفقا لمعجم أعلام الأدب التركي التابع لجامعة أحمد يسوي، بلغت الرواية طبعتها الـ81 عام 2002، قبل أن تصل إلى الطبعة الـ121 عام 2019. وقد تحولت روايتها إلى مسلسل تلفزيوني عُرض على إحدى القنوات بالاسم نفسه.
إلى جانب ذلك، تشمل أبرز أعمالها:
- عذاب الشباب
- الهداية
- ماذا حدث لنا
- المرأة في الإسلام وفي عصرنا
- كل شيء من أجل الإسلام
- دموع الحضارة
- الفتاة والزهرة
- اليد اليمنى
- الأفعى والثعلب

الوفاة والتكريم
على الرغم من تقدمها في السن ومعاناتها من المرض، واصلت بين الحين والآخر كتابة مقالات في عدد من الصحف والمجلات، وبعد صراع مع المرض استمر 15 عاما، توفيت شوله يوكسل شينلر في 28 أغسطس/آب 2019، عن عمر ناهز 81 عاما، في المستشفى الذي كانت تتلقى فيه العلاج.
وشهدت صلاة الجنازة التي أُقيمت في مسجد أيوب سلطان حضورا لافتا لعدد من الشخصيات في مجالات الثقافة والفن والسياسة. ودُفن جثمانها في قبر أُعد لها في مقبرة ميهريشاه والدة السلطان.
تكريما لها، أطلق اسم شوله يوكسل شينلر على عدد من مدارس الأئمة والخطباء الثانوية للبنات، إضافة إلى عدد من المرافق الخدمية من بينها “دار شوله يوكسل شينلر للسيدات” في إسَنلر بإسطنبول، و”بيت شوله يوكسل شينلر للمعرفة” في حي ظافر بولاية موش.