ليس أشد فتكًا بالعلاقات من كلمة تشبه الحق ولا تبلغه، ولا أدهى على القلوب من اعتذار يلبس ثوب الصدق وفي طياته بقايا من كبر يأبى أن ينخلع. هناك، في تلك اللحظة الرفيعة بين زلة متحققة واعتراف مستحق، تختبر معادن النفوس، ويوزن صدقها بميزان لا يميل للمواربة ولا يحابي التورية. وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، فجعل الصدق مقام نجاة لا زينة عبارة، وميزان إيمان لا حيلة بيان. الاعتذار المبطن ليس لطفًا في العبارة، بل قسوة في المآل؛ لأنه يبقي الخطأ معلقًا في فضاء العلاقات، لا يسقطه اعتراف ولا يبدده ندم. إنه محاولة أنيقة للإفلات من التبعة، تقال فيها الكلمات وكأنها تصلح، وهي في الحقيقة تؤجل الانكسار وتعمق الشرخ. فالمعتذر على استحياء من إقراره، إنما يساوم على حقيقة لا تقبل المساومة: إما أن تكون صادقًا فتبرئ ذمتك، أو توارب فتثبت التهمة عليك وإن تلطفت في البيان. وفي هذه المساومة الخفية تتقابل قوتان: عزة تستنكف أن تنحني، وكرامة ترفض أن تستغفل. فإن أشبعت الأولى سحقت الثانية، وإن أعطيت الثانية حقها استقامت الأولى على جادة التواضع. وهنا يبرز الفقه النفسي الدقيق: أن الكرامة لا تداوى بالإيماء، ولا تجبر بالتلميح، بل تستعاد بكلمة تصيب موضعها من غير لبس ولا تلوين. وقد قال النبي ﷺ: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم»؛ فهذا ميزان العدل في القلوب، أن ترد الحقوق صريحة كما أخذت، وأن يرفع الظلم بصدق لا بمداراة. وليس الاعتذار الصريح انكسارًا ينقص صاحبه، بل هو سمو يقيمه؛ لأنه إعلان انتصار على هوىً يزين المكابرة، وتمرد على نفس تحب أن تظهر على غير حقيقتها. وقد قال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»؛ فليست المزية ألا يزل الإنسان، ولكن المزية أن يرجع إذا زل، وأن يملك شجاعة الاعتراف حين تدعوه نفسه إلى المكابرة. فمن قال: «أخطأت»، قد رد الأمور إلى نصابها، وحمل وزره بصدق، وفتح باب الإصلاح على مصراعيه. أما من قال ما يشبه ذلك دون أن يلتزمه، فقد أغلق الباب وهو يظن أنه فتحه.
والناس- وإن صمتوا- لا يخفى عليهم وقع الصدق من رجع التكلف؛ يلتقطون نبرة الإقرار كما يلتقطون خفقان الرياء، ويدركون أن الكلمات إذا لم تولد من قلب منكسر بحق، خرجت مشوهة الملامح، تشي بما وراءها من تردد أو استعلاء. فإذا زللت، فلا تتخذ الألفاظ متاريس تحاول بها الاحتماء، ولا تجمل الخطأ بما لا يستره. أقبل عليه إقبال من عرف أن تحمل التبعة أول مراقي التزكية، وأن الصدق -وإن كان مرًا- أقصر طريق إلى سلامة القلوب. قلها جليةً «أخطأت، وأنا لها، وأستغفرك العفو». فإن في هذه الجملة ما يجبر خواطر، ويقيم جسورًا، ويعيد للود نفسه بعد اختناق. وقد قال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ۚ ادفع بالتي هي أحسن﴾، وأحسن ما يدفع به أثر الخطأ: صدق لا يختبئ، وندم لا يتجمل، واعتذار لا يحمل في طياته كبرًا مقنعًا.
إما اعتذار يصدق حتى ينقذ، أو صمت يكذب حتى يهلك. إما كلمة تنزلك من علو الوهم إلى أرض الحقيقة فترفعك، أو مراوغة تبقيك واقفًا على حافة السقوط حتى تهوي.
فاختر لنفسك مقام الصادقين، لا حيلة المتوارين؛ فإن الله قال: ﴿فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم﴾. وما بين العزة والكرامة جسر دقيق، لا يعبره إلا من خلع كبره عند أعتاب الحق.
فإن العلاقات لا تموت دفعة واحدة، بل تغتال على مهل… وأول الرصاص: اعتذار لا يصدق.
Source link