يكشف “الدحيح” الوجه الآخر لتأسيس الولايات المتحدة، موضحا كيف تزامنت شعارات الحرية مع استمرار العبودية وإقصاء السكان الأصليين، قبل أن تُحسم الثورة بدعم فرنسي ودستور اتحادي.
في الرواية التقليدية لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، تتصدر مبادئ الحرية والمساواة المشهد، لكن برنامج “الدحيح” يعيد قراءة تلك اللحظة من زاوية مختلفة، متتبعا كيف تزامن إعلان الاستقلال مع استمرار العبودية وإقصاء السكان الأصليين.
وتأخذ الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) المشاهد إلى الوجه الأقل تداولا في تاريخ تأسيس الولايات المتحدة، موضحة كيف كرست الدولة الناشئة التمييز العنصري عبر تسوية “ثلاثة أخماس”، التي احتسبت العبيد السود ثلاثة أخماس الإنسان.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
ويبيّن مقدم البرنامج أحمد الغندور أن هذه التسوية عكست التناقض الذي رافق تأسيس الولايات المتحدة، إذ استفاد مُلاك العبيد من احتساب المستعبدين في زيادة تمثيل الولايات الجنوبية داخل الكونغرس، في حين ظل هؤلاء محرومين من الحقوق التي رفعتها الثورة تحت شعار الحرية والمساواة.
ويشير إلى أن 41 من أصل 56 مُوقّعا على وثيقة الاستقلال كانوا من مُلاك العبيد، بينهم جيفرسون نفسه، معتبرا أن هذا التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية شكّل إحدى أبرز المفارقات في تاريخ تأسيس الولايات المتحدة، إذ بقيت الحرية امتيازا لفئات دون أخرى.
ولا يقف البرنامج عند هذا الحد، بل يقارن بين موقف المستعمرات والثورة الأمريكية من قضية العبودية وبين السياسة البريطانية حينئذ، موضحا أن لندن شجعت العبيد على الفرار إلى مناطقها مقابل منحهم الحرية، وهو ما دفع عددا من مُلاك المزارع إلى الانضمام للثورة خشية فقدان عبيدهم.
ويستند الغندور إلى المؤرخ البريطاني سيمون شاما ليبيّن أن الثورة الأمريكية لم تكن -بالنسبة لكثير من الأفارقة المستعبدين- حربا من أجل الحرية، بل كانت صراعا خاضه البيض دفاعا عن حقهم في امتلاك العبيد، في حين بدا التاج البريطاني بالنسبة إلى بعضهم فرصة محتملة للخلاص من الاستعباد.
ومن هذا التناقض الفكري، ينتقل البرنامج إلى ساحات القتال، حيث تبدأ المواجهة العسكرية بقيادة جورج واشنطن أمام الجيش البريطاني، ليؤكد أن نجاح الثورة لم يعتمد على الانتصارات المباشرة، بقدر ما ارتبط بإدارة الانسحاب والمناورة والحفاظ على بقاء الجيش حتى تتغير موازين الحرب.
حرب الاستقلال
ويبيّن البرنامج أن واشنطن أدرك مبكرا استحالة مجاراة البريطانيين في معارك تقليدية، فاعتمد إستراتيجية تقوم على استنزاف الخصم وتجنب الاشتباكات الحاسمة، معتبرا أن بقاء الجيش على قيد القتال أهم من تحقيق انتصارات سريعة قد تنتهي بالقضاء عليه.
ويستعرض الغندور واحدة من أصعب مراحل الثورة بعد سقوط فيلادلفيا -مقر الكونغرس حينئذ- إذ اضطر الجيش الأمريكي إلى قضاء الشتاء في ظروف قاسية، وسط الجوع والبرد ونقص المؤن، في حين كثرت حالات الفرار وتراجعت قدرة القوات على مواصلة القتال.
وفي خضم تلك الأزمة، لجأ واشنطن إلى الكونغرس مطالبا بتوفير الإمدادات، في وقت كان بنجامين فرانكلين يخوض معركة دبلوماسية لا تقل أهمية، انتهت بإقناع فرنسا بالتحالف مع الأمريكيين، لتبدأ موازين القوى في التحول تدريجيا ضد بريطانيا.
ولا يقتصر البرنامج على الجانب العسكري، بل يتوقف عند تشكل المجتمع الأمريكي نفسه، موضحا أن المستعمرات ضمت مهاجرين من أصول أوروبية متعددة، لم يجمعهم تاريخ واحد أو عرق واحد، وإنما وحدتهم التجربة الجديدة والعمل في الحرف والمهن التي احتاجت إليها المستعمرات الناشئة.
ويرى الغندور أن هذه الخلفيات المتنوعة أسهمت في نشوء ثقافة أمريكية مشتركة، لم تقم على الانتماء القومي التقليدي، بل على واقع جديد فرضته الحياة اليومية والحرب، وهو ما جعل الهوية الأمريكية تتبلور تدريجيا قبل أن يكرسها الاستقلال سياسيا.
ويعود البرنامج إلى ملف العبودية مجددا، موضحا أن بعض كبار مُلاك العبيد كانوا مستعدين للتخلي عن فكرة الاستقلال إذا ضمنت لهم بريطانيا استعادة العبيد الفارين، في حين فضّل آخرون البقاء في مزارعهم لحراستها بدلا من المشاركة في القتال، خوفا من فقدان القوة العاملة التي اعتمدت عليها ثرواتهم.
ضحايا التأسيس
ولا يُغفل الدحيح ثمن الثورة بالنسبة إلى السكان الأصليين، إذ يوضح أنهم لم ينظروا إلى استقلال المستعمرات باعتباره انتصارا للحرية، بل بداية مرحلة أشد قسوة، بعدما توسع المستوطنون في أراضيهم عقب تراجع النفوذ البريطاني.
ويشير إلى أن جورج واشنطن قاد حملات عسكرية استهدفت قرى السكان الأصليين ومزارعهم، بهدف حرمانهم من مقومات البقاء، وهو ما جعل بعض المؤرخين يصفون تلك العمليات بأنها كانت جزءا من مشروع توسع رافق ولادة الدولة الأمريكية.
ومع استمرار القتال، بدأت الكفة تميل إلى مصلحة قوات الثورة، خاصة بعد وصول الدعم الفرنسي، الذي لم يقتصر على المال والسلاح، بل شمل ضباطا وخبرات عسكرية ساعدت في إعادة تنظيم الجيش الأمريكي ورفع كفاءته القتالية.
ويصل البرنامج إلى معركة يوركتاون، التي يعدها نقطة التحول الحاسمة في الحرب، بعدما فرضت القوات الأمريكية والفرنسية حصارا بريا على الجيش البريطاني، في حين نجح الأسطول الفرنسي في منع وصول أي تعزيزات أو إمدادات عبر البحر.
وانتهى الحصار باستسلام نحو 10 آلاف جندي بريطاني، لتتجه الحرب نحو نهايتها، لكن الحلقة تؤكد أن التحدي الحقيقي بدأ بعد الاستقلال، مع اختلاف الولايات في الحدود والعملات والأنظمة والثقافات، وهو ما استدعى بناء إطار سياسي يوحدها.
ويختتم الغندور الحلقة بالتأكيد أن الولايات المتحدة لم تولد دفعة واحدة مع إعلان الاستقلال، بل تشكلت عبر صراعات عسكرية وسياسية واجتماعية معقدة، في حين بقيت مبادئ الحرية التي رفعتها الدولة الجديدة موضع جدل بسبب استثناء فئات واسعة منها منذ لحظة التأسيس.
Published On 29/7/2026