في امتداد لموجات تقليص الوظائف التي تشهدها هوليوود في السنوات الأخيرة، أعلنت “والت ديزني” تسريح نحو ألف موظف في عدة قطاعات، ضمن خطة لإعادة هيكلة عملياتها، في خطوة تعكس التحولات العميقة التي تضرب صناعة الترفيه.
وقال الرئيس التنفيذي الجديد للشركة جوش دامارو في مذكرة موجهة إلى الموظفين إن هذه الإجراءات تهدف إلى “تبسيط عملياتنا” وضمان قدرة الشركة على مواكبة التغيرات المتسارعة في القطاع.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
وكتب دامارو في رسالته: “على مدار الأشهر القليلة الماضية، بحثنا سبل تبسيط عملياتنا في مختلف أقسام الشركة لضمان تقديم الإبداع والابتكار العالميين اللذين يقدرهما جمهورنا ويتوقعهما من ديزني. ونظرا للتطور السريع الذي تشهده صناعاتنا، يتطلب ذلك منا تقييما مستمرا لكيفية بناء قوة عاملة أكثر مرونة وإلماما بالتكنولوجيا”.
وأضاف: “سنقوم بإلغاء بعض الوظائف في بعض أقسام الشركة، وقد بدأنا بالفعل بإبلاغ الموظفين المتأثرين. أعلم أن هذا صعب”، مشددا على أن هذه القرارات “لا تعكس مساهماتهم ولا قوة الشركة بشكل عام، بل تعكس تقييمنا المستمر لكيفية إدارة مواردنا بشكل أكثر فعالية وإعادة استثمارها في أعمالنا”.
تأتي هذه الخطوة في سياق إعادة تنظيم شاملة داخل ديزني، خاصة بعد إنشاء هيكل موحد للتسويق والعلامة التجارية يستهدف “خدمة المستهلكين بطريقة أكثر ترابطا”، وهو ما أدى إلى إلغاء وظائف في أقسام التسويق عبر الاستوديوهات والتلفزيون وقنوات “إي إس بي إن”، إضافة إلى قطاعات التكنولوجيا والمنتجات وبعض الوظائف في الوحدات المؤسسية.
ورغم أن عدد الوظائف الملغاة يمثل نسبة محدودة من إجمالي قوة العمل البالغة نحو 231 ألف موظف، فإن القرار يحمل دلالة رمزية كبيرة، كونه أول إجراء رئيسي في عهد دامارو منذ توليه المنصب في مارس/آذار خلفا لبوب آيغر، وبعد موجة تسريحات ضخمة عام 2023 شملت أكثر من 7 آلاف موظف.
“باد روبوت”: تقليص شامل وانتقال إلى نيويورك
ديزني لم تكن وحدها. ففي مطلع أبريل/نيسان 2026، كشفت تقارير إعلامية أن شركة “باد روبوت” التابعة للمخرج والمنتج جيه. جيه. أبرامز تعتزم تقليص عدد موظفيها، في خطوة لافتة بالنظر إلى مكانة الشركة في هوليوود.
وبحسب هذه التقارير، فإن التخفيضات ستشمل مختلف أقسام الشركة دون حصرها في قطاع بعينه، رغم عدم الإعلان عن أرقام دقيقة حتى الآن. ويأتي القرار بالتزامن مع خطة لنقل مقر الشركة من لوس أنجلوس إلى نيويورك، في تحول استراتيجي، مع استمرارها في تطوير وإنتاج مشاريع سينمائية وتلفزيونية جديدة.
وتعد “باد روبوت” من أبرز شركات الإنتاج خلال العقود الثلاثة الماضية، إذ قدمت أعمالا مؤثرة مثل مسلسل “مفقود” (Lost)، وأفلام “ستار تريك” (Star Trek)، و”حرب النجوم” (Star Wars)، و”مهمة مستحيلة” (Mission: Impossible).
سوني: إعادة ترتيب الأولويات
أعلنت شركة “سوني بيكتشرز إنترتينمنت” تسريح مئات الموظفين، في خطوة أكد رئيسها التنفيذي رافي أهوجا أنها تأتي ضمن إعادة ترتيب أولويات الشركة أكثر مما هي جزء من خطة تقليدية لخفض التكاليف.
وفي مذكرة داخلية، أوضح أهوجا أن الشركة “تقلص عدد الوظائف في بعض المجالات، بينما تزيد التركيز والاستثمار في مجالات أخرى بالغة الأهمية لمستقبلنا”، مشيرا إلى أن القرار يعكس تحولا استراتيجيا في نموذج العمل في ظل تغيرات السوق.
وتعد سوني حالة خاصة في هوليوود، إذ لا تمتلك منصة بث رئيسية، وتعتمد بدلا من ذلك على إنتاج المحتوى وبيعه لمنصات مثل نتفليكس (Netflix)، إلى جانب تركيزها المتزايد على تحويل ملكياتها الفكرية -خصوصا ألعاب “بلاي ستيشن” وأعمال الأنمي- إلى مشاريع سينمائية وتلفزيونية.

صناعة تحت الضغط
تكشف هذه القرارات المتزامنة عن صورة أوسع لصناعة تمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. فمن جهة، أدى صعود منصات البث إلى تقويض النماذج التقليدية التي كانت تعتمد على شباك التذاكر والتلفزيون المدعوم بالإعلانات. ومن جهة أخرى، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كعامل جديد يثير قلقا واسعا بشأن مستقبل الوظائف وأساليب الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، تتسارع عمليات الاندماج والاستحواذ في القطاع، في مؤشر على إعادة توزيع القوة داخله. ففي فبراير/شباط الماضي، انسحبت نتفليكس من سباق صفقات كبرى في هوليوود، بعد عرض أكثر ربحية قدمه تحالف “سكاي دانس-باراماونت” للاستحواذ على “وارنر براذرز ديسكفري”، في صفقة -إذا أقرت- قد تؤدي إلى موجة جديدة من التسريحات.
بالتوازي مع ذلك، تصاعدت التحذيرات من داخل الصناعة نفسها، إذ وقع أكثر من ألف فنان وصانع محتوى وشخصية عاملة في قطاع الترفيه على رسالة مفتوحة تحذر من تداعيات موجة الاندماجات الجارية، وعلى رأسها الصفقة المحتملة بين “سكاي دانس-باراماونت” و”وارنر براذرز ديسكفري”.
وأكد الموقعون أن هذا النوع من الصفقات قد يؤدي إلى “تركيز غير مسبوق للسلطة الإعلامية”، بما يحمله ذلك من مخاطر على تنوع المحتوى واستقلالية الصناعة، إلى جانب تسريع وتيرة تسريحات العاملين نتيجة دمج الأقسام وإلغاء الوظائف المكررة.
ودعت الرسالة الجهات التنظيمية إلى التدخل لمنع ما وصفته بـ”مزيد من تآكل المنافسة”، محذرة من أن تقليص عدد اللاعبين الكبار في السوق لن ينعكس فقط على شكل الإنتاج، بل أيضا على فرص العمل داخل القطاع.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو تسريحات أبريل/نيسان أكثر من مجرد قرارات إدارية منفصلة في ديزني أو سوني أو “باد روبوت”، بل جزءا من مسار أوسع يعيد تشكيل طبيعة العمل في هوليوود، ويعيد رسم خريطة القوى بين استوديوهات كبرى ومنصات بث عملاقة، تحت ضغط التكنولوجيا الجديدة وتوقعات المستثمرين وتغير عادات الجمهور.