Published On 15/4/2026
|
آخر تحديث: 15:29 (توقيت مكة)
أعاد المشهد القاسي لإصابة اللاعب الألماني لويس هولتبي، خلال مشاركته مع فريق “ناك بريدا” في الدوري الهولندي لكرة القدم، فتح ملف طالما حذر منه الأطباء، وهو تطور واقيات الساق في كرة القدم الحديثة من “دروع حماية” إلى “إكسسوارات زينة”.
لم تكن الإصابة مجرد سوء حظ، بل جرس إنذار كشف عن ظاهرة تغزو الملاعب، حيث يرتدي اللاعبون واقيات ساق لا تتجاوز حجم “علبة الكبريت” في بعض الأحيان، تاركين عظم الساق عرضة لكسور قد تنهي مسيرة احترافية للاعب في لمح البصر.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ولادة “الموضة القاتلة”
بدأ التوجه نحو تقليص حجم واقي الساق نزعة فردية لبعض النجوم لتقليل الوزن، لكنه تحول سريعا إلى “هوية” في السنوات الأخيرة. ويبرر اللاعبون هذا التوجه بالبحث عن الخفة والرشاقة، زاعمين أن الواقيات التقليدية كبيرة الحجم تعيق حركة الكاحل وتسبب تعرقا مفرطا.
هذا البحث عن “التحرر الحركي” قلص مساحة التغطية لتصل إلى 20% فقط مما كانت عليه في السابق، مما يعني أن أي تدخل متهور سيؤدي مباشرة إلى اصطدام بالعظم.

ابتكار “ويدوسون”
على عكس التوجه “المجهري” الحالي، يعود أصل الفكرة إلى مفهوم الحماية القصوى؛ فقد استلهمت الرياضة هذه المعدات من “دروع الساق” التي صنعها الجنود في العصر البرونزي لحماية عظمة القصبة.
أما في كرة القدم، فيعود الفضل في اختراع الواقيات إلى “سام ويلر ويدوسون” عام 1874، لاعب نوتنغهام فورست، الذي قص واقيات الكريكيت وارتداها لحماية نفسه.
وبحلول عام 1990، أصدر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) (FIFA) قرارا يلزم الجميع بارتدائها بعد أن كانت اختيارية، وكانت حينها ضخمة تغطي الكاحل والساق معا لضمان أمان اللاعب.

ثغرات في نصوص “إيفاب” (IFAB)
رغم الإلزام التاريخي، تنص المادة الرابعة من قوانين مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (إيفاب) (IFAB) حاليا على ضرورة ارتداء واقيات توفر “درجة معقولة من الحماية”.
لكن المشكلة تكمن في غياب “المعايير القياسية”؛ فالقانون لا يحدد طولا أو عرضا أدنى، مما خلق فراغا تشريعيا جعل الحكام في مأزق، فلا سلطة قانونية لمنع لاعب يرتدي “قشرة كربونية” طالما أنها مخفية تماما تحت الجورب.
ويؤكد خبراء الطب الرياضي أن الحماية الحقيقية تتطلب معايير واضحة تنهي هذا العبث، وأهمها:
- تغطية الطول: يجب أن يغطي الواقي ما لا يقل عن 75% من طول عظمة الساق (Tibia).
- زاوية الحماية: أن يكون العرض كافيا لتغطية 120 درجة من محيط الساق الأمامي.
- المسافات الآمنة: ترك مسافة 2 إلى 5 سم فقط عند الكاحل والركبة لضمان الحماية دون إعاقة المفاصل.
واقيات الساق الحديثة: حماية حقيقية أم وهم تقني؟
يدافع المصنعون بأن ألياف الكربون (Carbon Fiber) قوية جدا، لكن الفيزياء تقول إن الحماية تعتمد على توزيع الضغط (P = F/A). كلما صغرت المساحة (A)، زاد الضغط (P) المركز على نقطة واحدة في العظم. لذا، مهما كانت المادة متطورة، فإن صغر مساحة السطح يجعلها مجرد “وهم تقني” أمام ركلة مباشرة وعنيفة.

فتاريخ الملاعب حافل بإصابات خطيرة على مستوى الساق تؤكد أن التكنولوجيا لم تكن كافية لتعويض غياب مساحة التغطية:
- جبريل سيسيه: تعرض الدولي الفرنسي السابق لكسر مضاعف مروع عام 2006 حرمه من المونديال.
- لوك شو: تعرض الإنجليزي لكسر مزدوج في الساق عام 2015 نتيجة فجوة في التغطية.
- إدواردو دا سيلفا: كان الكرواتي ضحية التدخل الشهير عام 2008، والذي أكد ضعف الدعم الهيكلي للواقيات الصغيرة.
إن الإصابة المروعة التي تعرض لها هولتبي وقبله الكثيرون، لم تعد مجرد سوء حظ، بل هي جرس إنذار يفرض على الاتحادات الدولية التدخل لسنّ “معايير دنيا” لحماية اللاعبين تتناسب مع بنيتهم الجسدية وطول سيقانهم.
كرة القدم لعبة احتكاك خشن، والتضحية بسلامة النجوم من أجل “جمالية المظهر” أو صغر حجم الواقيات هي جريمة بحق اللعبة؛ فالملاعب تفقد مواهبها في إصابات كان يمكن تلافيها بقطعة حماية تغطي بضعة سنتيمترات إضافية، لكنها قد تنقذ مسيرة مهنية كاملة.