Published On 22/4/2026
|
آخر تحديث: 15:15 (توقيت مكة)
ينتمي مسلسل “الوصايا” (The Testaments) إلى دراما الديستوبيا السياسية، ويعد امتدادا مباشرا لعالم مسلسل “حكاية الخادمة” (The Handmaid’s Tale)، حيث يواصل استكشاف نظام “جلياد” بعد سنوات من الأحداث الأصلية، إنما من منظور جديد.
العمل مأخوذ من رواية “الوصايا” الصادرة عام 2019 للكاتبة “مارغريت آتوود”، ويتولى تطويره للتلفزيون بروس ميلر، الذي قاد أيضا المسلسل السابق، ويعرض الآن، ومن بطولة آن دود، تشايس إنفينيتي، لوسي هاليداي، زارين دارنيل مارتن، وإيفا فوت، مع ظهور خاص لإليزابيث موس، ما يعزز الارتباط الدرامي بالعالم الأصلي.
الجيل الممتثل: كيف يصنع القمع من الداخل؟
يبني مسلسل “الوصايا” قصته من داخل “جلياد”، لكن ليس عبر عيون الضحايا التقليديين، بل من خلال فتيات نشأن داخل النظام نفسه، لم يعرفن عالما آخر يمكن مقارنته به.
تبدأ الحكاية مع أغنس (تشايس إنفينيتي)، التي تتلقى تعليمها وتربيتها وفقا للقواعد الصارمة للدولة، حيث يتم تلقينها منذ الصغر أن دورها محدد سلفا، وأن الطاعة فضيلة، وأن النظام ليس فقط صحيحا، بل كذلك ضروريا. كل تفصيلة في حياتها اليومية تعمل كآلية لإعادة إنتاج هذا القبول، بحيث لا يبدو القمع كقيد، إنما طبيعة الأشياء.
في المقابل، تدخل ديزي (لوسي هاليداي) هذا العالم من الخارج، فهي مهاجرة بشكل عكسي؛ فبينما ركز المسلسل الأصلي على فكرة الهروب من جلياد إلى كندا، تعود ديزي من كندا إلى جلياد، حاملة معها وعيا مختلفا، يجعلها ترى ما لا تراه أغنس المطبعة مع هذا العالم.
وجود ديزي يكشف الفجوة بين نوعين من القمع: قمع مفروض على من يعرف أنه مقموع، وقمع يتسلل داخل من لم يتح له أصلا أن يرى نفسه كذلك. ومن خلال تقاطع كل من ديزي وأغنس، يبدأ المسلسل في تفكيك فكرة “الامتثال”.
أما العمة ليديا (آن دود)، فتمثل حلقة الوصل بين الجيلين؛ فهي من بقايا العالم القديم، لكنها أصبحت جزءا من آلة السلطة، ومن خلالها يكشف العمل كيف لا يكتفي النظام بإخضاع الأفراد، بل يدفع بعضهم للمشاركة في ترسيخه، سواء بدافع البقاء أو الإيمان أو الخوف.
ومع تطور الأحداث، لا تأتي لحظة الشك أو التمرد كنتيجة مباشرة للعنف، بل للتصدع الداخلي البطيء، حين تبدأ الشخصيات في ملاحظة التناقض بين ما تعلمته وأفكارها الشخصية عن الحياة بشكل عام، وهنا يصبح السؤال الأساسي الذي تدور حوله القصة: ماذا يحدث عندما يبدأ جيل لم يعرف سوى القمع في إدراكه للمرة الأولى؟ وهل يمكن كسر نظام لم يُفرض فقط، بل تم غرسه في الوعي منذ البداية؟
الجماليات كقناع للقمع: من الأحمر إلى البنفسجي
لا يكتفي “الوصايا” بتقديم عالم “جلياد” كمنظومة قمعية، بل يعيد صياغته بصريا بطريقة تخفي هذا القمع خلف طبقة من الجماليات المنظمة، فالألوان والتكوينات وحركة الشخصيات داخل الكادر ليست مجرد عناصر شكلية، بل أدوات أيديولوجية للتأكيد على سلطة جلياد.
إذا كان مسلسل “حكاية الخادمة” قد غلب عليه اللون الأحمر كلون صادم ومباشر، يرتبط بالخصوبة والسيطرة على الجسد، فإن التحول إلى البنفسجي في العمل الجديد ليس تفصيلة جمالية عابرة، إنما انتقال دلالي من القمع الفج إلى سلطة أكثر نعومة وتعقيدا.
البنفسجي، بخلفيته التاريخية المرتبطة بالنخبة والسلطة الدينية، يمنح النظام مظهرا أكثر رقيا، ويبعده عن دلالات العنف المباشر التي كان يحملها الأحمر، وبالتالي فالقمع ليس مرئيا بوضوح، إنما مغلف داخل صورة أنيقة ومتوازنة؛ فالتكوينات الدقيقة داخل الكادر، والتموضع المحسوب للأجساد، والحركة الطقوسية المتكررة، كلها عناصر تنتج إحساسا بالانسجام، حتى في أكثر اللحظات قسوة.
هذا الانسجام البصري يخفي العنف، فبدلا من صدمة المشاهد، يجذبه، ويدخله تدريجيا في حالة من التقبل، أو على الأقل الاعتياد. وهنا تتقاطع الجماليات مع الأيديولوجيا، فكما يتم تدريب الشخصيات داخل العالم على الامتثال عبر الطقوس والتنظيم، يعاد تدريب المتفرج نفسه على تقبل هذا العالم باستخدام صورته “الجميلة”، فيصبح القمع أقل صخبا وأكثر تهذيبا، وأصعب في الرفض الفوري.
بهذا التحول يطرح المسلسل سؤالًا إضافيا: هل يصبح القمع أكثر فاعلية حين يتخلى عن قسوته الظاهرة؟ الإجابة التي يقترحها العمل ضمنيا هي أن أخطر أشكال السلطة ليست تلك التي ترعب، بل تلك التي تقنع، أو على الأقل تنجح في تقديم نفسها كجزء طبيعي ومنطقي من النظام العام.
نضج داخل القمع وإعادة تعريف السلسلة
يتحرك مسلسل “الوصايا” بخطوات محسوبة بعيدا عن مركز السرد في “حكاية الخادمة”، وهذا التحول لا يغير فقط زاوية الرؤية، ولا يؤثر على المسلسل من الناحية البصرية فحسب، بل يندمج مع بنية مسلسلات وأفلام “النضج” أو “البلوغ” (coming-of-age)، لكن في سياق ديستوبي.
فالشخصيات، بدلا من أن تكبر لتكتشف العالم كما في أعمال “النضج” التقليدية، هي تحاول أن تكتشف حدودها داخل هذا العالم، ما يجعل لحظات الشك والتمرد أكثر تعقيدا وتأخرا، فالنضج يتحول من رحلة نحو الحرية إلى إدراك القيود، وهو ما يمنح المسلسل نبرة أخف من المسلسل الأصلي ظاهريا، لكن في العمق أكثر إزعاجا.
في قلب هذا التحول تقف العمة ليديا كشخصية انتقالية بين العالمين والمسلسلين، ولا يمكن اختزالها في ثنائية الشر والخير؛ فهي جزء من آلة السلطة، ومن جهة أخرى تحمل وعيا ناتجا عن انتمائها للعالم السابق، وخذلانها من عالم جلياد الذي لم يأت على قدر توقعاتها. هذا التناقض يجعلها شخصية تدرك بنية النظام وأخطائه، لا تخرج عليه بالكامل، وإنما تحاول تعديله أو توجيهه، فهي هنا حارسة للنظام، وفي الوقت ذاته أكثر الشخصيات وعيا بخطورته.
كل هذه العناصر تضع المسلسل في منطقة وسطى بين الامتداد مع المسلسل الأصلي، وإعادة الصياغة؛ فهو لا ينفصل عن “حكاية الخادمة”، بل يعتمد عليه كمرجعية بصرية وسردية، وفي الوقت نفسه يملك منطقه الداخلي الخاص. وبالتالي، فهو ليس جزءا ثانيا تقليديا، ولا عملًا مستقلا بالكامل، بل تحول في زاوية النظر: من لحظة الانفجار وما بعدها، إلى مقاومة القمع عبر مراقبة آلياته الخفية.
التقييم العام:
الإخراج: 4
التمثيل: 4
المؤثرات البصرية: 4
صديق العائلة: 4