ثمة لحظات في الدراما التلفزيونية تظل عالقة في ذاكرة المشاهد لسنوات، لقطة واحدة تُشعل فتيل حرب لا تُعلَن، لتتحول إلى مقدمة لسقوط مدوٍّ. هكذا قدم الموسم الأول من مسلسل “بيف” (Beef) أو “ضغينة” أبطاله عام 2023، لكنهم لم يكونوا أبطالا شريرين ولا أخيارا ساذجين، بل بشرا عاديين تجمّع فيهم إحباط ينتظر شرارة واحدة لكي يشتعل.
والشرارة في هذا العالم يمكن أن تكون أقل من بوق سيارة، لنشاهد كيف للإنسان أن ينفجر بلا مقدمات. ومع ذلك، لم يكن المسلسل يتحدث عن مشاجرة طريق بقدر ما كان يفتش داخل الوحدة، والضغط النفسي، والشعور الخفي بالاختناق داخل الحياة الحديثة.
أما الموسم الثاني، الذي عُرض حديثا عبر منصة نتفليكس، فيُغيّر ملعبه بالكامل، إذ يترك شوارع المدينة المزدحمة متجها صوب النوادي المغلقة، حيث تبدو الابتسامات مهذبة والكراهية مكتومة، ليصبح الغضب أكثر برودا، لكنه لا يقل تدميرا.
المسلسل المكون من 8 حلقات والموجه للبالغين، من تأليف لي سونغ جين الأمريكي من أصول كورية، ما عزز الطابع الآسيوي-الأمريكي داخل القصة. وقد عاد المؤلف لقيادة الموسم الثاني، محافظا على روحه الساخرة، مع محاولة تحويل العمل إلى أنطولوجيا تتبدل شخصياتها بينما تبقى الفكرة الأساسية واحدة: كيف يمكن لخطأ صغير أن يقود الجميع إلى الهاوية.
حكايتان منفصلتان وغضب مشترك
إذا كنت لم تشاهد الموسم الأول، فلا تقلق، الموسمان لا يرتبطان على مستوى الحبكة. الرابط الحقيقي بين الجزأين هو فكرة كيف يصنع البشر مصائرهم بأيديهم، من خلال كرة الثلج؛ لحظة صغيرة تبدو عابرة ثم تتصاعد تدريجيا حتى تخرج عن السيطرة.
وإذا كان الموسم الأول قد تناول الغضب بوصفه مباشرا وفوضويا، فإن الثاني يقدمه بصورة أكثر خبثا. الشخصيات هنا لا تصرخ كثيرا، لكنها تناور وتبتز وتخفي نواياها خلف المجاملات الاجتماعية، وكأن المسلسل يقول إن الطبقات الثرية لا تكون أقل غضبا، بل فقط أكثر قدرة على إخفائه حتى اللحظة المناسبة.
في النهاية، لا يبدو الغضب في مسلسل “بيف” حالة طارئة بقدر ما هو جزء من البنية النفسية للشخصيات، يتشكل ببطء داخل علاقات مضطربة، حتى يتحول إلى سلوك لا يمكن التراجع عنه.
نادي للأغنياء وأسرار للجميع
تبدأ أحداث الموسم الثاني داخل نادٍ فاخر في كاليفورنيا ، حين يشاهد شابان -“آشلي” (كايلي سبيني) و”أوستن” (تشارلز ميلتون)- يعملان في النادي شجارا عنيفا بين مديرهما وزوجته -“جوش” (أوسكار إيزاك) و”ليندسي” (كاري موليغان)-. فيقومان بتصوير المشهد سرا، وسرعان ما يتحول إلى ورقة ابتزاز يظنان أنها قد تمنحهما فرصة لتحسين حياتهما، لكنهما يدخلان في لعبة أكبر بكثير منهما.
وفي المقابل، يعيش الزوجان الآخران زواجا على الحافة، تحكمه المصالح والخيبات القديمة أكثر مما تحكمه المشاعر. قبل أن يضيف المسلسل خطا دراميا يتعلق بشخصيات نافذة في عالم الأعمال والسلطة، لتتشابك الخيانة بالفساد المالي والابتزاز، في عالم يبدو أن الجميع فيه يخسرون، حتى أولئك الذين يملكون كل شيء.
ورغم أن الموسم الثاني أقل صخبا من سابقه، فإنه أكثر قسوة، فالأحداث لا تتداعى بسرعة، لكنها تتراكم حتى تصل إلى لحظة انهيار جماعي محتوم.
بين الإعجاب والمقارنة القاسية
حصد الموسم الأول ثماني جوائز إيمي بما فيها جائزة أفضل مسلسل محدود، بالإضافة إلى تحقيق 70.4 مليون ساعة مشاهدة خلال أول أسبوعين من عرضه، وهو ما جعل الموسم الثاني يواجه توقعات ثقيلة منذ اللحظة الأولى.
ومع أن حصول الموسم الحالي على تقييم 90% يعد نجاحا في حد ذاته، إلا أن تحقيق هذا الرقم بعد 98% للموسم الأول يبدو كما لو كان إخفاقا، فهل كان الموسم الثاني تراجعا فعليا أم أنه وقع ضحية النجاح الاستثنائي الذي سبقه؟
موسم أقل حدة وأكثر نضجا
قوة الموسم الأول كانت تكمن في توتره العصبي، والتصاعد الدرامي السريع الذي جعل كل حلقة تبدو كأنها على وشك الانفجار، أما الموسم الثاني فيعتمد على بناء الأجواء والعلاقات المعقدة.
هذا التحول منح العمل نضجا فكريا في بعض اللحظات، لكنه أفقده أيضا جزءا من طاقته الفوضوية. ومع ذلك فإن بعض نقاط القوة استمرت، مثل الحوار الذكي، والكوميديا السوداء، والقدرة على تحويل المواقف اليومية إلى توتر خانق.
ومن بين أبرز الإيجابيات، التطور على مستوى اللغة البصرية، فنرى الكاميرا أكثر هدوءا، واللقطات أطول، والفراغات داخل الكادر تُستخدم للتعبير عن العزلة الطبقية والعاطفية عبر ألوان باردة ومساحات واسعة، وكأن الشخصيات تعيش داخل أماكن فارهة لكنها بلا روح، حتى المشاهد الحميمة صُورت بطريقة تمنح إحساسا بالانقباض أكثر من الألفة.
أما الكاتب لي سونغ جين، فنجح في توسيع الرهان من صراع ثنائي مكثف إلى أربعة مصائر متشابكة، مع استمراره في الاهتمام بالشخصيات المكسورة نفسيا، وتحويل اللحظات المشحونة البسيطة إلى مأساة اجتماعية كاملة، مازجا بين الكوميديا والانهيار الإنساني.
كما ساهم إدراج الثنائي الكوري المخضرم -يون يو-جونغ الحائزة على الأوسكار وسونغ كانغ-هو بطل فيلم “الطفيلي”- في منح المسلسل ثقلا أدائيا لا يمكن تجاهله، وأضفى عليه بُعدا دراميا جعله يتجاوز النبرة الأمريكية ليصل إلى لحظات عالمية الطابع.
تمثيل يقوم على الانهيار الداخلي
ومن بين الأبطال الأساسيين، قدم أوسكار إيزاك واحدا من أكثر أدواره هدوءا وتوترا في الوقت نفسه. فبقدر ما تبدو شخصيته مسيطرة من الخارج، نراها تتآكل تدريجيا تحت وطأة الأسرار والخوف وفقدان النفوذ.
إيزاك لا يعتمد على الانفعالات الكبيرة، بل على التفاصيل الصغيرة؛ نظرات قصيرة، صمت طويل، وملامح رجل يعرف أنه يخسر كل شيء ببطء، وبفضل ما يمتلكه من كاريزما، ظل الجمهور متعاطفا معه حتى في أكثر لحظاته فظاظة.
كذلك أجادت كايلي سبيني دورها، لما امتلكته من حضور وأداء جمع بين الهشاشة والطموح والارتباك، ما جعل شخصيتها تبدو الأكثر قابلية للفهم داخل هذا العالم المأزوم. أما كاري موليغان فكانت صاحبة الأداء النسائي الأكثر إمتاعا، إذ تجسد شخصية سيدة أرستقراطية منهكة من حياة رسمتها لنفسها ثم كرهتها. وقد استطاعت أن تمنح الشخصية طبقة عاطفية عبر أداء لا يبحث عن استدرار الشفقة، بل يكشف عن امرأة تحاول النجاة داخل زواج ميت، حتى لو اضطرت إلى ممارسة القسوة نفسها التي تؤذيها.
وإن كانت مفاجأة العمل هي تشارلز ميلتون، الذي تدرج دوره على مدار الحلقات من مجرد شخصية هامشية إلى الشخص الأكثر حضورا وإدهاشا، في تطور لافت من ممثل لم يضع عليه الجمهور الكثير من الرهانات.
أين تعثر الموسم الثاني؟
ومع ذلك، لا نملك إلا أن نلحظ بطء الإيقاع في منتصف الموسم، وترهُّل الحبكة كلما اقتربنا من النهاية، فبينما يبدأ العمل متماسكا ومشحونا، تتفرع الحكاية لاحقا إلى مسارات عديدة لا تحظى جميعها بالتطوير الكافي، كما جرى مع “آشلي” التي تظل أسيرة دافع واحد هو الخوف من الوحدة دون نمو حقيقي، أو الثنائي الكوري الذي لم يحظ بمساحة كافية لتشريح دوافعه بالكامل.
وليس من السهل على مسلسل حقق نجاحا غير مسبوق أن يعود للمنافسة بوجوه مختلفة وروح مغايرة، غير أن مسلسل “بيف” فعل ذلك بشجاعة دفع ثمنها جماهيريا، لكن يُحسب له عدم وقوعه في فخ التكرار الآمن.
وإن كان الموسم الثاني لا يملك الجنون نفسه الذي جعل الجزء الأول صدمة تلفزيونية، لكنه يملك نظرة أكثر مرارة ووعيا، إنه عمل عن البشر حين يبتسمون وهم يُخفون خرابهم الداخلي بعناية شديدة، وهنا تكمن قيمته الحقيقية؛ كونه يكشف كيف أصبح الغضب جزءا متواريا من الحياة اليومية، حتى لدى أكثر الشخصيات وداعة ونجاحا.
تحذير
على الرغم من القيمة الفنية العالية والعمق الدرامي لمسلسل “بيف”، إلا أنه عمل مخصص للبالغين فقط وغير مناسب تماما للمشاهدة العائلية أو الأطفال. إذ يتضمن المسلسل مشاهد حميمة صريحة وإيحاءات جريئة، بالإضافة إلى تجسيد علاقات وميول غير تقليدية لبعض الشخصيات. كما تمتلئ الحلقات بلغة حادة وألفاظ نابية مستمرة، إلى جانب جرعة مكثفة من العنف النفسي والجسدي والمطاردات.
تقييم العمل:
- القصة: 4
- التمثيل: 4.5
- الإخراج والتصوير: 4
- المؤثرات البصرية: 3.5
- صديق العائلة: 2.5