لم يبدأ الأمر بمنصة إطلاق، ولا بورشة صواريخ. بدأ، وفقا لرواية شركة أنثروبيك، بجلسات متفرقة أمام شاشة: نموذج يكتب الكود، وآخر يبحث، وثالث يراجع ما كتبه الأول.
في سبتمبر/أيلول، قالت الشركة الأمريكية المطورة لنموذج “كلود” إنها رصدت خلية تعمل في شمال اليمن استخدمت أداتها البرمجية في تطوير أجزاء من برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم لصاروخ موجه.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
ووفق تقرير أنثروبيك، لم تكن الخلية تسأل النموذج سؤالا واحدا عن سلاح مكتمل، بل وزعت العمل بين عدة جلسات ونماذج: واحد للبرمجة، وآخر للبحث، وثالث لمراجعة الكود.
هذه ليست قصة نموذج صنع صاروخا وحده، كما قد يوحى للقراء. فتقرير أنثروبيك نفسه يقول إنه لا يملك دليلا على أن الخلية نشرت سلاحا عملياتيا، وإن تجربة إطلاق صاروخ موجه بدت فاشلة، إذ عاد المستخدمون خلال ساعات إلى “كلود” لتحليل سبب الخلل.
لكن الفشل هنا لا يلغي دلالة القصة، بل يكشفها. فالمشكلة ليست أن الآلة حلت محل منصة الإطلاق أو الوقود أو المصنع أو القرار العسكري. المشكلة أن مرحلة كانت تحتاج إلى مهندسين وبرامج ومحاكاة ومراجعات متتابعة قد تصبح أقصر وأرخص، حين يدخل نموذج لغوي في قلبها.
ما الذي فعله كلود؟
تقول أنثروبيك إن الخلية استخدمت “كلود كود” (Claude Code) لدمج طيار آلي مفتوح المصدر مع حاسوب طيران بمستوى هاتف ذكي، وكتابة أجزاء من برمجيات التحكم وتقدير الموقع، وضبط إعدادات التحكم، ثم تشغيل محاكاة للطيران.
هذه عبارات تقنية، لكنها تخفي تحولا واضحا. فالصاروخ لا يطير بالهيكل والمحرك وحدهما. يحتاج إلى برمجيات تعرف موقعه واتجاهه، وتصحح مساره، وتتعامل مع ما يحدث حين لا تسير التجربة كما خطط لها. وفي هذا الجزء تحديدا، تقول الشركة إن مستخدميها وضعوا النموذج في موضع أقرب إلى مساعد هندسي يعمل على مهام موزعة.
ولم يكن كلود، بحسب التقرير، يعرف الهدف الكامل في كل جلسة. فالخلية قسمت العمل على محادثات عدة، وأخفت الغرض النهائي من بعض الطلبات، في محاولة لتجاوز الضوابط. وقالت أنثروبيك، إن بعض المحاولات حظرت، لكن بعضها مر بما يكفي للمساعدة على بناء برمجيات ومحاكاة.
هنا لا يعود السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تصميم سلاح من الصفر؟ السؤال الأدق هو: ماذا يحدث حين تملك جهة ما معرفة أولية وعتادا ودافعا، ثم تحصل على أداة تختصر الوقت اللازم للبرمجة والمراجعة والتجربة الافتراضية؟
وفي قراءة عسكرية أوسع، يوضح الخبير العسكري والإستراتيجي محمد عبد الواحد أن إدخال الذكاء الاصطناعي في برمجيات الصواريخ قد يساعد، من حيث المبدأ، على تحليل بيانات الملاحة وتحديد المسار والتعامل مع الأخطاء بسرعة أكبر. لكن هذا التقدير يشرح الإمكانات العسكرية العامة للتقنية، ولا يثبت أن الخلية التي تناولها تقرير أنثروبيك امتلكت هذه القدرات ميدانيا أو حققت بها نجاحا في الاختبار.
ما لا يقوله التقرير؟
يتحدث تقرير أنثروبيك عن برامج عمل وأهداف معلنة للجهة التي تقف خلف الخلية في شمال اليمن، من بينها صاروخ باليستي متعدد المراحل قالت الشركة إن مداه المستهدف يتجاوز ألفي كيلومتر، ومجموعة صواريخ تضم نسخة قيل إنها لمركبة انزلاقية فرط صوتية. لكن ذكر هدف أو نموذج قيد التطوير لا يثبت امتلاك قدرة جاهزة أو سلاح دخل الخدمة.
الأهم أن أنثروبيك نفسها تقر بأن رؤيتها للبرنامج كاملة كانت محدودة. فهي تعرف ما مر عبر منصتها وما استطاعت ربطه بالحسابات، لكنها لا تملك صورة مستقلة لكل ما جرى خارجها، ولا تنشر للصحفيين الأدلة التقنية الخام التي بنت عليها تقييمها.
خطر اختصار الطريق
لطالما كان تطوير السلاح أكثر من مجرد امتلاك الفكرة. المعرفة تحتاج إلى من يترجمها إلى كود، والكود يحتاج إلى مراجعة، والمحاكاة تحتاج إلى وقت، والاختبار يكشف خللا يعيد الفريق إلى نقطة سابقة.
هذا التسلسل هو ما يجعل تطوير أي منظومة عسكرية مكلفا وبطيئا. ليست كل العقبات قابلة للحل بالمال أو بالوصول إلى شبكة الإنترنت. لكن تقرير أنثروبيك يلفت إلى أن بعض هذه العقبات، خصوصا في البرمجة والمحاكاة وتفسير البيانات، قد تفقد جزءا من صلابتها.
وتقول الشركة إن الخلية بنت بالفعل حزمة محاكاة تعمل خارج كلود وبيئات هندسية مثل “ماتلاب” وهو برنامج بيئة حوسبة رقمية ولغة برمجة متقدمة مخصصة للعمليات الهندسية والرياضية. وهذه النقطة أهم من حظر الحسابات نفسها: فحين يتحول ما ساعد النموذج على بنائه إلى أداة مستقلة، لا يعود وقف الوصول إلى المنصة كافيا لاستعادة الوقت الذي اختصر.
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمنح أي شخص قدرة على صناعة صاروخ متقدم من غرفة مغلقة. فالعتاد والخبرة والتمويل ومواقع الاختبار وسلاسل التوريد تبقى عوائق حقيقية. لكن ما يتغير هو موقع الذكاء الاصطناعي داخل السلسلة: ليس بديلا كاملا عن الإنسان، بل مضاعف لقدرة من يملك أساسا بعض عناصر المشروع.
تحذير حقيقي أم عملية نفسية؟
تبدو شركات الذكاء الاصطناعي في موقع ملتبس. فهي تطور نماذج أقوى في البرمجة والبحث والتحليل، ثم تحذر من أن القدرات نفسها قد تستخدم في تطوير السلاح أو الاختراق أو البحث البيولوجي الخطر.
لهذا لا ينبغي التعامل مع تقرير أنثروبيك بوصفه حكما نهائيا، ولا بوصفه دعاية لا قيمة لها. هو تقرير صادر عن الشركة صاحبة المنتج، ومصلحتها حاضرة في تقديم نفسها شركة أكثر حذرا من منافسيها. لكن التقرير يقر أيضا بفشل بعض الضوابط، وبأن إخفاء النية وتوزيع العمل بين جلسات منفصلة ساعدا مستخدمين على تجاوز جزء من الحماية.
وفي الخلفية الأوسع، وقع باحثون ومديرون تنفيذيون بارزون، بينهم يوشوا بنجيو وجيفري هينتون وداريو أمودي، بيانا يدعو إلى جعل خفض خطر انقراض البشر بسبب الذكاء الاصطناعي أولوية عالمية إلى جانب مخاطر الأوبئة والحرب النووية. لكن ذلك البيان يعبر عن تحذير سياسي وأخلاقي، لا عن نسبة علمية متفق عليها لاحتمال الكارثة أو موعدها.
وحالة اليمن تعيد النقاش من سيناريو الانقراض البعيد إلى اختبار أقرب: ماذا لو كانت النماذج المتاحة تجاريا تخفض كلفة العمل التقني في برامج تسلح موجودة، قبل أن يصل العالم أصلا إلى مرحلة الذكاء الفائق؟
من يراقب ما يحدث بين الأسئلة؟
رد أنثروبيك كان حظر الحسابات التي ربطتها بالنشاط، ومشاركة معلومات مع شركاء من القطاعين العام والخاص، وتطوير أدوات رصد قالت إنها تستهدف الطلبات المرتبطة بتطوير الأسلحة والمتفجرات.
لكن القضية لا تتوقف عند سؤال محظور أو حساب مغلق. فالحالة التي تصفها الشركة توضح أن الخطر قد لا يظهر في طلب واحد واضح، بل في سلسلة طلبات تبدو منفصلة: كود للتحكم، ثم محاكاة، ثم مراجعة، ثم تفسير بيانات اختبار.
لذلك تحتاج الضوابط إلى أن تراقب نمط العمل، لا الكلمات الحساسة فقط. وتحتاج الشركات إلى اختبارات فعلية لقدرة نماذجها على تقديم مساعدة مفيدة في المجالات العسكرية والسيبرانية والبيولوجية قبل إتاحة قدرات جديدة على نطاق واسع. كما تحتاج إلى مراجعة مستقلة، لأن الشركة لا يمكن أن تكون المطور والحكم الوحيد على فعالية الحواجز التي وضعتها.
في النهاية، لا تقول قصة كلود في اليمن إن الآلة انتزعت قرار الحرب من البشر. القرار بقي بشريا، وكذلك امتلاك العتاد وتجربة السلاح ومحاولة تجاوز الضوابط.
لكنها تقول شيئا آخر: عندما يستطيع النموذج أن يكتب ويراجع ويحاكي ويشرح أسباب الفشل، قد يصبح الطريق بين الفكرة والاختبار أقصر. والخطر ليس في الصاروخ وحده، بل في كل ما لم يعد يحتاج إليه قبل أن يصل إلى منصة الإطلاق.