ناقشت حلقة “أبو أصيل” علاقة الدراما السورية بالسلطة خلال الحرب، ومسؤولية الفنانين بين الصمت والتبرير، ودعت إلى إعادة بناء المشهد الفني وفتح المجال أمام جيل جديد لرواية ذاكرة السوريين.
تدخل الدراما السورية مرحلة اختبار حاسمة، لا تتعلق بتبديل الوجوه والأسماء فقط، بل بمراجعة علاقتها بالسلطة والمجتمع والذاكرة، فبعد سنوات الحرب، بات الفن مطالبا بالإجابة عن سؤال يتجاوز الترفيه: لمن انحازت الشاشة عندما كانت سوريا تنزف؟
وفي حلقة 28 أغسطس/آب 2026 من برنامج “أبو أصيل”، الذي يبث عبر منصتي “سوريا الآن” و”الجزيرة 360″، يتقدم هذا السؤال إلى الواجهة، مع مساءلة أدوار الفنانين خلال سنوات الحرب، والتمييز بين من صمت تحت الضغط ومن اختار التبرير والمشاركة في خطاب السلطة.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
ولا تضع الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) الموهبة الفنية أو الموقف السياسي في ميزان واحد؛ فالاختلاف السياسي لا ينتقص بالضرورة من قيمة الفنان، لكن المسألة تصبح مختلفة حين يتحول الفنان إلى أداة دعائية، تبرر القمع وتقدم صورة مغايرة لواقع مجتمع كان يدفع أثمانا باهظة.
فبينما كانت صور الضحايا والمعتقلين والناجين تتسع في المشهد السوري، ظهرت أصوات فنية تحتفي بالجيش والسلطة وأجهزتها الأمنية، ويرى فيصل القاسم (أبو أصيل) أن بعض هؤلاء لم يكتفوا بالصمت، بل أسهموا في صناعة رواية تخفي النزيف وتقدم البلاد بصورة مصطنعة.
وتزداد المفارقة، وفق طرح الحلقة، مع محاولة بعض الوجوه المرتبطة بالماضي الاحتفاظ بمواقعها في المشهد الجديد، والحديث عن تجاوز الماضي ورفض نبشه، ومن هنا يبرز سؤال أوسع: هل تستطيع الدراما أن تمثل الضحية، إذا ظلت الوجوه نفسها حاضرة؟
ذاكرة تحت الاختبار
لكن مساءلة الفنانين لا تعني، في المقابل، إطلاق حكم جماعي أو ممارسة تطهير ثقافي، فهناك فارق بين من صمت خوفا أو حفاظا على مصدر رزقه، ومن تحول إلى بوق دعائي يبرر قتل الضحايا ويخوّنهم ويمنح القمع غطاء أخلاقيا.
ويرى أبو أصيل أن هذا التفريق ضروري حتى لا تعيد سوريا الجديدة إنتاج عقلية التخوين والإلغاء التي عانى منها المجتمع طويلا، فالمطلوب ليس استبدال إقصاء بإقصاء، وإنما إعادة تقييم الإرث الفني على أساس المسؤولية الأخلاقية والقدرة على مواجهة الماضي بصدق.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو أزمة الدراما السورية محصورة في أسماء الفنانين، بل تمتد إلى البنية التي أنتجت أعمالها لعقود، فقد تحركت الدراما داخل سقف أمني غير معلن يسمح بانتقاد الفساد الصغير، لكنه يحظر الاقتراب من جذور الاستبداد.
كانت الشاشة قادرة على السخرية من الموظف المرتشي والمدير الفاسد، لكنها نادرا ما اقتربت من البنية الأمنية التي أنتجت ذلك الواقع، ولهذا بدت بعض الأعمال جريئة في ظاهرها بينما ظلت بعيدة عن السؤال الأكثر حساسية: كيف تحولت الدولة إلى منظومة قمع؟
وتستدعي الحلقة تجارب التحول التي شهدتها مجتمعات أخرى بعد سقوط أنظمة شمولية وانتهاء ديكتاتوريات، حيث أعادت أجيال جديدة من الكتاب والمخرجين والفنانين قراءة التاريخ من زاوية الضحايا، فالتغيير السياسي في تلك التجارب، رافقته إعادة نظر في السردية الثقافية.
جيل يروي سوريا
تحتاج سوريا الجديدة، وفق طرح الحلقة، إلى دراما تملك شجاعة الاقتراب من الحقيقة كاملة، وإلى كتّاب يستندون إلى الذاكرة السورية الحية للمعتقلين والناجين، وممثلين يرون أنفسهم جزءا من المجتمع لا طبقة منفصلة عنه.
كما تحتاج إلى منتجين لا يخشون تناول ملفات التعذيب والفساد والطائفية وتحويل الدولة إلى مجال للنفوذ الأمني، وإلى بيئة تسمح للفن بأن يسائل التجربة السورية بدلا من تلميعها، عندها يمكن للدراما أن تتحول من أداة ترويض إلى مساحة لفهم الألم.
وفي قلب هذا التحول تبرز مواهب سورية في الداخل والشتات ظلت مهمشة لعقود، بسبب شبكات العلاقات السياسية والأمنية والإنتاجية، وتطرح الحلقة هؤلاء بوصفهم جزءا أساسيا من المستقبل، لأن فتح المجال أمامهم قد يغير لغة الشاشة وموضوعاتها وطرق روايتها.
ويتوقف أبو أصيل عند مفارقة أخرى تتمثل في انتقال بعض الأصوات التي بالغت في تمجيد السلطة سابقا إلى الحديث اليوم عن الحياد ورفض الكراهية وعدم نبش الماضي، ويبدو هذا التحول إشكاليا حين تصبح الذاكرة مصدر إزعاج، بينما لم يكن تمجيد السلطة كذلك في السابق.
في المحصلة، تقف الدراما السورية أمام امتحان يتجاوز الصناعة الفنية إلى بناء الذاكرة العامة، فالفن الذي برر الجلاد لا يصبح صوتا للضحية بمجرد تبديل الشعارات، فيما تظل إعادة بناء السردية شرطا لتجاوز الماضي ومنع بقائه حيا في الثقافة.
Published On 28/8/2026