على مدى أكثر من عقدين، كانت إسطنبول الوجه الذي قدّمت به الدراما التركية نفسها إلى العالم. لم تكن مجرد مدينة تستضيف التصوير، بل عنصرا أساسيا في بناء الحكاية، حتى بدت في كثير من الأعمال وكأنها بطل خفي يرافق الشخصيات في كل مشهد.
من البوسفور وجسوره الشهيرة، إلى القصور المطلة على المضيق، والأحياء التاريخية، والشوارع المزدحمة والمقاهي القديمة، صنعت إسطنبول هوية بصرية ترسخت في ذاكرة المشاهد العربي، حتى بات من الصعب تخيّل الدراما التركية بعيدا عنها.
وخلال سنوات طويلة، ارتبطت عشرات الأعمال الناجحة بإسطنبول، فلم تكن المدينة مجرد موقع للتصوير، بل أصبحت جزءا من هوية الدراما التركية. فمن المنازل الفخمة المطلة على البوسفور في “العشق الممنوع”، إلى شوارع المدينة وأحيائها في “إيزيل” و”الحفرة”، وصولا إلى الصورة الرومانسية لإسطنبول في “حب أعمى”، قدمت الشاشة التركية المدينة بأوجه مختلفة.
ومع انتشار هذه الأعمال عربيا وعالميا، تحولت إسطنبول من خلفية للأحداث إلى عنصر جذب بحد ذاته، فأصبح كثير من المشاهدين يرغبون في زيارة الأماكن التي شاهدوها في المسلسلات، لتصبح الدراما واحدة من أبرز النوافذ التي عرّفت العالم على المدينة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
لكن هذه الصورة التي بدت ثابتة لسنوات، بدأت تتغير تدريجيا. فالكاميرا لم تعد تكتفي بإسطنبول، وبدأت تبحث عن مدن أخرى تحمل حكايات مختلفة، وهو ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة أعادت رسم الخريطة الجغرافية للدراما التركية.
الأعمال التي كسرت احتكار إسطنبول
لم يكن انتقال الدراما التركية إلى مدن أخرى حدثا مفاجئا، بل سبقته أعمال خرجت عن القاعدة، واكتشفت مبكرا أن المكان يمكن أن يكون عنصرا أساسيا في نجاح الحكاية.
ففي عام 2002، جاء “قصر الكروم” (Asmalı Konak) ليأخذ المشاهد إلى كابادوكيا، حيث أصبحت الطبيعة الفريدة والبيوت الحجرية جزءا من هوية العمل، وأسهم نجاحه في الترويج للمنطقة سياحيا.
وبعده، في عام 2006، جاء “سيلا” (Sıla) الذي صُوّر في ماردين وجنوب شرق تركيا، ليقدم للمشاهد بيئة مختلفة عن الصورة التقليدية التي ارتبطت بإسطنبول.
لكن هذه التجارب بقيت محاولات منفردة، أما التحول الحقيقي فجاء مع ثلاثة أعمال أثبتت أن المدن خارج إسطنبول قادرة على حمل بطولة العمل.
ففي عام 2018، انطلق “احكي لهم أيها البحر الأسود” (Sen Anlat Karadeniz)، الذي صُوّر في طرابزون ومنطقة البحر الأسود. لم تكن الطبيعة هناك مجرد خلفية، بل تحولت الجبال والسواحل والقرى إلى جزء من هوية المسلسل، وأسهم نجاحه الكبير في منافسة “قيامة أرطغرل” على صدارة نسب المشاهدة في أمسيات الأربعاء.
وفي عام 2019، قدم “زهرة الثالوث” (Hercai) ماردين بصورة مختلفة، حيث أصبحت عمارتها الحجرية وأزقتها التاريخية جزءا من هوية المسلسل، وأسهم العمل في تسليط الضوء على المدينة.
وفي العام نفسه، اختار صناع مسلسل “ابنة السفير” (Sefirin Kızı) ولاية موغلا على ساحل بحر إيجة، مستفيدا من طبيعتها البحرية والقرى الساحلية لصناعة صورة مختلفة عن تركيا.
هذه الأعمال الثلاثة لم تكتفِ بالتصوير خارج إسطنبول، بل أثبتت أن المدينة نفسها يمكن أن تكون شريكا في صناعة النجاح، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في خريطة الدراما التركية.
المدينة… البطل الجديد في الدراما التركية
بعد نجاح هذه التجارب، لم يعد الانتقال إلى مدن أخرى مجرد خيار استثنائي، بل تحول إلى توجه واضح في صناعة الدراما التركية. فلم يعد المنتجون يبحثون عن قصة جديدة فقط، بل عن مدينة تمنح تلك القصة صورة مختلفة وهوية يصعب تكرارها.
وتُعد ماردين اليوم أبرز مثال على هذا التحول، بعدما أصبحت واجهة جديدة للدراما التركية، خصوصا مع النجاح الكبير الذي حققه “المدينة البعيدة” (Uzak Şehir). فقد تحولت أحياء ميديات الحجرية، والقصور القديمة، وطبيعة المنطقة، إلى جزء من شخصية العمل، وأسهمت في زيادة الاهتمام بالمدينة ومواقع التصوير فيها.
والأمر نفسه ينطبق على منطقة البحر الأسود، التي باتت تُعد ورقة رابحة في الدراما التركية. ويأتي “هذا البحر سيفيض” (Taşacak Bu Deniz) امتدادا لهذا التوجه، مستفيدا من الطبيعة الفريدة للمنطقة، بعدما أثبتت أعمال سابقة أن المسلسلات التي تدور في البحر الأسود تمتلك قدرة كبيرة على جذب الجمهور وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.
وهكذا، لم تعد المدينة مجرد خلفية للحكاية، بل أصبحت أحد عناصر نجاحها. فكما كان النجم يجذب المشاهد في الماضي، أصبح المكان اليوم عنصرا لا يقل أهمية في صناعة هوية العمل.
إسطنبول… من الاحتكار إلى المنافسة
خروج الدراما التركية من إسطنبول لم يكن مجرد تغيير في مواقع التصوير، بل نتيجة لتحول في طريقة التفكير بالإنتاج.
فبعد سنوات طويلة من تكرار الصورة نفسها، لم يعد المشاهد يبحث عن قصة جديدة فقط، بل عن صورة جديدة أيضا. لذلك اتجه المنتجون إلى مدن تحمل بيئات مختلفة، وعادات ولهجات محلية، تمنح الكتّاب مساحة أوسع لابتكار حكايات مرتبطة بالمكان نفسه.
كما شجع نجاح الأعمال التي صُورت خارج إسطنبول شركات الإنتاج على توسيع خياراتها، في وقت أدركت فيه المدن والهيئات السياحية أن ظهورها في الدراما ينعكس مباشرة على حضورها السياحي.
وهكذا، لم تعد المنافسة في الدراما التركية بين النجوم والقصص فقط، بل أصبحت بين المدن أيضا، بعدما تحول المكان إلى أحد أهم عناصر صناعة النجاح.
لم تفقد إسطنبول مكانتها، لكنها فقدت احتكار البطولة. فمن ماردين إلى طرابزون، ومن كابادوكيا إلى سواحل بحر إيجة، أثبتت مدن أخرى أنها قادرة على صناعة أعمال ناجحة، وأن المدينة نفسها قد تصبح سببا في نجاح المسلسل، تماما كما يفعل النجم.
قبل سنوات، كانت كل الطرق الدرامية تؤدي إلى إسطنبول. أما اليوم، فلم تعد الدراما التركية تروي حكاية مدينة واحدة، بل أصبحت تكتب خريطتها مدينة بعد أخرى.