Published On 1/6/2026
|
آخر تحديث: 12:25 (توقيت مكة)
في أحد أكثر تقاطعات العاصمة الأفغانية كابل ازدحاما، حيث تلتقي الطرق المؤدية إلى ولاية لوغار وجلال آباد، لا يقتصر المشهد على أزمة مرورية يومية خانقة فحسب، بل يتجاوز ذلك ليعكس صراعا أوسع بين متطلبات التوسع العمراني السريع واعتبارات الحفاظ على الذاكرة التاريخية للمدينة.
فقد تحوّل مشروع إنشاء جسر مروري جديد في هذا الموقع الحيوي إلى قضية أثارت جدلا واسعا في الأوساط السياسية والثقافية، بعد إزالة «منار نجات»، أحد أبرز المعالم التاريخية والسياسية في كابل، والذي ظل لعقود جزءًا من هوية هذا التقاطع وذاكرة المكان.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وأثار قرار بلدية كابل هدم المنار ضمن مشروع إنشاء جسر علوي جديد ردود فعل متباينة، بين من يرى فيه ضرورة عمرانية ملحة لمعالجة أزمة المرور الخانقة التي تشهدها العاصمة يوميا، وبين من يعتبره مساسا برمز تاريخي يرتبط بمرحلة حساسة من تاريخ أفغانستان، وما تحمله من دلالات سياسية لا تزال حاضرة في الوعي العام.

وتقول بلدية كابل إن المشروع يأتي استجابة لحاجة ملحة لتخفيف الازدحام المروري في أحد أكثر التقاطعات اكتظاظا في المدينة، حيث يشهد الموقع اختناقات متكررة تؤثر على حركة النقل بين شرق العاصمة وجنوبها، فضلًا عن انعكاساته على النشاط الاقتصادي اليومي.
وفي المقابل، يرى منتقدون من ناشطين ثقافيين ومهندسين حضريين أن الحفاظ على المعلم التاريخي كان ممكنا عبر حلول هندسية بديلة، مثل تعديل تصميم الجسر أو دمج المنار ضمن المخطط العمراني الجديد، بدل اللجوء إلى الإزالة الكاملة، معتبرين أن خسارة هذا النوع من الرموز لا تعوّض بسهولة في مدينة شهدت خلال عقودها الماضية تآكلا تدريجيا في معالمها التاريخية.

إزالة مؤقتة مع الحفاظ على الرمزية
دافع نعمة الله باركزي، المتحدث باسم بلدية كابل، عن القرار، مؤكدا أن إزالة المنار لا تعني التخلي عن رمزيته التاريخية. وقال باركزي للجزيرة نت إن «منار نجات» سيُعاد بناؤه بعد اكتمال المشروع، موضحًا أن الجسر الجديد سيحمل الاسم نفسه، وأن السلطات تعتزم تشييد منار جديد فوقه لاحقًا.
وأوضح أن المنار يحمل قيمة تاريخية كبيرة بالنسبة للشعب الأفغاني ولسكان كابل، وخاصة سكان جنوب البلاد الذين ارتبطت ذاكرتهم بهذه الحادثة التاريخية، مشيرًا إلى أن البناء القائم ليس الأصل، بل نسخة أعيد تشييدها عام 2016 بعد دمار خلال الحرب الأهلية.
ويرى باركزي أن إعادة بناء المنار ضمن المشروع لا تمثل فقدانا لقيمته، بل محاولة للجمع بين التطوير العمراني والحفاظ على الرمزية التاريخية.
التنمية لا تبرر محو الرموز التاريخية
في المقابل، عبّر النائب السابق كمال ناصر أصولي للجزيرة عن موقف أكثر حدة تجاه قرار الإزالة، معتبرا أن اللجوء إلى هدم معلم بحجم «منار نجات» يعكس غياب مقاربة تخطيطية توفّق بين تخفيف الازدحام المروري وحماية الرموز العمرانية.
ويرى أصولي أن مشاريع البنية التحتية تحتاج إلى رؤية متوازنة، مشددًا على أن «التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الجسور والطرق، بل بقدرة المدينة على الحفاظ على ذاكرتها وهويتها»، وأن التعامل بمنطق «الإزالة مقابل التنمية» هو تبسيط مخلّ لتخطيط المدن الحديثة، متجاهلاً تجارب دولية أثبتت إمكانية دمج البنية التحتية مع التراث عبر حلول هندسية بديلة.
كما يحذر أصولي من أن فقدان مثل هذه المعالم يمتد إلى ما يسميه «تآكل الذاكرة العمرانية»، وهو ما قد يؤدي تدريجيًا إلى انفصال السكان عن تاريخ مدينتهم، وتحول الفضاء العام إلى مساحة وظيفية خالية من الرمزية. ويخلص إلى أن النقاش حول المنار يتجاوز كونه خلافًا على جسر، ليطرح تساؤلات أعمق حول كيفية بناء المدن في أفغانستان، ومن يحدد شكلها وهويتها في المرحلة المقبلة.

فقدان هذه المعالم لا يعني فقط خسارة عنصر بصري، بل هو تآكل للذاكرة العمرانية قد يؤدي لانفصال السكان عن تاريخ مدينتهم
رمز تتعدد قراءاته
لفهم طبيعة هذا الجدل، يُعد «منار نجات» من أكثر المعالم إثارة للانقسام في كابل؛ فقد شُيّد عام 1928 تقريبا خلال عهد الملك محمد نادر شاه، تخليدًا لانتصار قواته على حكومة حبيب الله كلكاني.
ومنذ ذلك الحين، ظل يحمل معاني متناقضة؛ ففي الرواية الرسمية اعتُبر رمزا لـ«إنقاذ البلاد من الفوضى»، بينما يراه آخرون شاهدا على لحظة انقسام سياسي واجتماعي ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم. ومع مرور الزمن، تعرض البناء نفسه لتغيرات وإعادة تشييد، ما أضاف طبقات جديدة من التعقيد إلى رمزيته، ليصبح مساحة تتقاطع فيها الذاكرة السياسية مع السردية التاريخية.
المنار رمز لانقسام وتعبير عن ذاكرة
وانطلاقا من هذه الخلفية، دافع الناشط السياسي الأفغاني فهيم كوهدامني للجزيرة نت عن قرار الإزالة، معتبرا الجدل الدائر عاطفيا أكثر منه نقاشا موضوعيا. ويرى كوهدامني أن هذا المعلم لم يكن يومًا رمزًا موحدًا لجميع الأفغان، بل هو «رمز مثقل بالسياق السياسي» ارتبط بسردية تعكس انتصار طرف على آخر، مما يجعله مصدر توتر مستمر يعيد إنتاج الخلافات التاريخية داخل الفضاء العام بدل التركيز على احتياجات الحاضر لبناء ذاكرة وطنية مشتركة.
ويشير كوهدامني إلى أن كابل بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتها العمرانية للتعامل مع الضغط السكاني وشبكات النقل، مشددًا على أن تطوير البنية التحتية يجب أن يُقدَّم على الاعتبارات الرمزية عند التعارض. ويخلص إلى أن «المدينة الحديثة تُبنى على الوظيفة قبل الرمزية»، مما يتطلب مقاربة براغماتية تركز على معالجة الاختناقات المرورية وتحسين الخدمات، بدلا من إبقاء المدينة أسيرة لمعادلات تاريخية تعيق التطوير.

الجدل يعكس أزمة أعمق في البلاد
أما الحاكم سابق لولاية ميدان وردك، محمد حليم فدائي، فقد قدّم للجزيرة نت قراءة مختلفة، معتبرًا أن التركيز على إزالة «منار نجات» قد يختزل الأزمة الأفغانية في رمز واحد.
وقال فدائي إن المشكلة الأساسية في أفغانستان لا تكمن في هدم منار أو الإبقاء عليه، بل في الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأعمق التي تمر بها البلاد، والتي تنعكس على إدارة الفضاء الحضري. وأضاف أن الجدل حول المنار لا ينبغي أن يحجب القضايا البنيوية الأكثر إلحاحًا، مثل تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف الخدمات، محذراً من أن الانشغال بهذا النوع من الجدل قد يصرف الانتباه عن أولويات حياة المواطنين اليومية.
من جانبه، قدّم الكاتب الأفغاني عبد النافع همت للجزيرة نت قراءة ثقافية تربط بين الجدل الحالي وسجل أفغانستان الطويل في فقدان إرثها التاريخي. وقال همت إن كثيرًا من الأفغان ينظرون إلى ما تبقى من المعالم التاريخية باعتباره جزءًا من ذاكرة مهددة، مشيرًا إلى أن المخاوف الشعبية تتغذى من تجارب سابقة شهدت تدمير آثار مهمة خلال فترات الحرب. وأضاف أن التمسك بـ«منار نجات» لا يرتبط فقط بدلالته السياسية، بل أيضًا بالخوف من فقدان ما تبقى من الشواهد المادية على تاريخ البلاد.