في عالم الدراما التلفزيونية، نادرا ما تنجح العوالم الممتدة في تقديم مسلسلات جديدة تحافظ على جودة العمل الأصلي مع كونها مستقلة بذاتها؛ وقد اختبرنا ذلك عن قرب في مسلسلات مارفل (Marvel)، ولكن يبدو أن عالم مسلسل “يلوستون” (Yellowstone) استطاع تحقيق ذلك في مسلسليه المشتقين من قبل “1883” و”1923″، وها هو يحاول مرة أخرى مع أحدث أبنائه مسلسل “مارشالز” (Marshals) الذي انطلق مؤخرا، ويبتعد عن صخب إدارة مزارع الماشية العملاقة، ليدخل أجواء المطاردات ومكاتب المارشالات الفيدراليين.
يأتي هذا المسلسل ضمن عالم “يلوستون” الممتد، بتوقيع المنتج تايلور شيريدان، ومن بطولة لوك غرايمز الذي يعود لدوره كايس داتون، وإلى جانبه فريق جديد كليا يضم لوغان مارشال غرين وأرييل كيبيل وآش سانتوس وتاتانكا مين. ويتكون المسلسل من 13 حلقة، وقد جُدد إلى موسم ثان بعد أيام قليلة من عرض حلقته الأولى.
من دراما عائلية إلى مسلسلات القضايا
تبدأ أحداث مسلسل “مارشالز” بعد الأحداث الختامية لمسلسل “يلوستون”، وقد ترك كايس داتون خلفه حياة رعاة البقر، والصراعات العائلية على الأرض، والدماء التي سُفكت باسم حماية مزرعة العائلة، واستعاد السلام مع نفسه مع نهاية المسلسل الأم، وانتقل مع زوجته مونيكا (كيلسي آسبيل) وابنه تيت (بيركين ميريل) للعيش بعيدا عن صخب وجرائم عائلته.
لكن هذا السلام لا يدوم طويلا، ففي الفجوة بين المسلسلين يزور الموت كايس مجددا، لكن هذه المرة بشكل أشد إيلاما مما سبق، إذ يختطف زوجته مونيكا، فبعد صراع مع السرطان الناتج عن التلوث البيئي في المنطقة، فترحل تاركة خلفها كايس وحيدا مع طفلهما الذي أصبح مراهقا.
يتحول هذا الحادث إلى شرارة التحول الجذري في حياة كايس، فبعد انكفائه لفترة حول نفسه، يقرر الالتحاق بخدمة المارشالات الفيدرالية (U.S. Marshals)، كما لو أنه يحاول ملء فراغ مونيكا بالبحث عن العدالة، أو موت ينهي به معاناته.
يظهر هنا الفرق الأكبر بين “مارشالز” و”يلوستون”، فبينما كان “يلوستون” دراما عائلية تنتمي إلى مسلسلات الغرب الأمريكي الحديثة، أو النيو ويسترن (Neo-Western)، تركز على الصراع على الأرض، والعلاقات المعقدة بين الأب جون داتون (كيفين كوستنر) ومحيطه، فإن مسلسل “مارشالز” أقرب ما يكون إلى مسلسل حركة (أكشن) تقليدي تدور أحداثه في ولاية مونتانا الأمريكية، يتبنى قالب الكثير من المسلسلات التي تُعد الآن كلاسيكية في أسلوبها مثل “إن سي آي إس” (NCIS) و”إف بي آي” (FBI)، وهي مسلسلات تستعرض ببساطة فريقا من العاملين في مجال الشرطة بفروعها المختلفة، حيث نجد في كل حلقة قضية مختلفة.
ويبقى الخيط الرابط هو كايس داتون نفسه، فكايس في “مارشالز” لا يختلف كثيرا عن كايس في “يلوستون”، إذ لا يزال ذلك الرجل الصامت، القادر على العنف عندما يُستفز، ذو الماضي العسكري، ما يجعله ماهرا في التخطيط والقتال.
العنف في “يلوستون” كان لحماية العائلة والأرض، بينما العنف في “مارشالز” يُمارس تحت شارة القانون، والسؤال الذي يطرحه المسلسل طوال حلقاته: هل يستطيع رجل مثل كايس داتون أن يظل ضمن القانون؟ أم أن غريزته البدائية ستتفوق عليه في النهاية؟
غياب شيريدان: هل فقد العالم بوصلته؟
يمضي المسلسل من حلقة إلى أخرى عبر قضايا منفصلة، لكن كلها تحت مظلة كبرى تربط هذه القضايا، وهي الصراع العرقي والبيئي بين سكان مونتانا البيض من أصحاب المزارع، وبين سكان محمية “بروكن روك” (Broken Rock) من السكان الأصليين، خصوصا أن أصحاب المزارع يعادون كايس بعدما تبرع بأراضي يلوستون لسكان المحمية، وهو ما اعتبروه خيانة لقيم المهاجرين البيض الذين استولوا على هذه الأراضي عند تأسيس الولايات المتحدة، وكذلك خيانة لوالده شخصيا الذي حكم هذه المنطقة بالحديد والنار.
هذا الصراع يمنح المسلسل بعدا سياسيا غائبا عن مسلسلات التحقيقات المشابهة، فنرى في الحلقات الأولى الصدام المباشر حول منجم جديد، يريده السكان البيض لأنه ينعش المنطقة اقتصاديا، بينما يرفضه سكان المحمية لأنه يتسبب في تلوث بيئي قاتل في منطقتهم، وهو التلوث الذي قتل زوجة كايس مونيكا بالسرطان في سن مبكرة.
أما كايس داتون نفسه، فقد تحول إلى بطل تراجيدي بامتياز، فبدلا من أن يكون الابن الضال الذي وجد السلام، نراه يعود للعنف مدفوعا بالحزن والضياع بعد موت زوجته، هذا التحول يعطي انطباعا بأن صناع المسلسل قتلوها فقط لخدمة قصة كايس وإعطائه ذريعة لتطوير الصراع الخاص به، بدلا من منحها نهاية لائقة.
أما الشخصيات الجديدة فتعاني من التسطيح النمطي، ففريق المارشالات باستثناء الصداقة الناشئة بين كايس وبيت كالفين (لوغان مارشال غرين)، هم مجرد قوالب جاهزة، حيث تُصوَّر النساء كشخصيات جميلة ورياضية لكنها سطحية، بينما شخصية مايلز، وهو أحد السكان الأصليين، يعاني من التمزق بين واجبه تجاه أهله وعمله مع المارشالات.
يمثل “مارشالز” أول اختبار حقيقي لعالم “يلوستون” الممتد في عصر ما بعد تايلور شيريدان، فالمسلسل الذي يحمل توقيعه كمنتج تنفيذي فقط، يدير شؤونه الإبداعية سبنسر هاد نوت، وهذه هي المرة الأولى التي يسلم فيها شيريدان زمام الأمور بالكامل لشخص آخر داخل هذا العالم، ما يعكس حجم الانفصال الإبداعي عن العمل الأصلي.
لكن يبقى السؤال الأكبر: هل ينجح هذا العالم في الحفاظ على هويته دون بصمة شيريدان المباشرة؟ أم أن “مارشالز” سيكون مجرد بداية لتراجع تدريجي، كما حدث مع العديد من العوالم الممتدة التي استنزفت نفسها؟ الأيام المقبلة، وردود فعل الجمهور على “مارشالز”، ستكون الفيصل في تحديد ما إذا كان “يلوستون” سيصبح إمبراطورية دائمة أم مجرد ذكرى جميلة.
التقييم العام:
الإخراج: 3
التمثيل: 3
المؤثرات البصرية: 3
صديق العائلة: 4.5