“إن حاجة أوروبا إلى تركيا اليوم أكبر من حاجة تركيا لأوروبا، فتركيا اليوم ليست نفسها القديمة والعالم لم يعد محصورا ضمن مجال نفوذ الدول الغربية”
لعل من الطبيعي أن تصدر مثل هذه العبارة في ذروة توتر سياسي أو أثناء حملة انتخابية مشحونة بالشعارات والخطابات الحادة. بيد أن تكرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا المعنى أكثر من مرة خلال الفترة الماضية يوحي بأن الأمر يتجاوز حدود السجال السياسي اللحظي. فأنقرة تحاول اليوم تثبيت تصور جديد داخل النقاش الأوروبي يقوم على أن موازين الاعتماد المتبادل بين تركيا وأوروبا لم تعد كما كانت قبل عقد أو عقدين، وأن التحولات الأمنية والجيوسياسية المتسارعة أعادت رسم موقع تركيا داخل معادلات الأمن والدفاع والطاقة والهجرة في القارة الأوروبية ومحيطها الإقليمي.
يأتي هذا الخطاب بينما تعيش أوروبا واحدة من أكثر مراحلها الأمنية حساسية منذ نهاية الحرب الباردة. فالحرب الروسية الأوكرانية دفعت القارة إلى مراجعة أولوياتها الدفاعية، بينما تصاعد القلق حول مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن الحلفاء، خاصة مع تزايد النقاش داخل الولايات المتحدة حول كلفة الدور الأمريكي في حماية أوروبا. وهنا برزت تركيا بوصفها دولة يصعب تجاوزها في حسابات الأمن الأوروبي بحكم موقعها الجغرافي وثقلها العسكري داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتشابك أدوارها الإقليمية.
إلا أن اللحظة التي أعادت فتح النقاش جاءت هذه المرة من بروكسل نفسها. ففي مايو/أيار 2025، استبعد الاتحاد الأوروبي مشاركة تركيا ضمن برنامج “العمل الأمني لأوروبا” (SAFE)، وهو أكبر مشروع تمويل دفاعي في تاريخه بميزانية تبلغ 150 مليار يورو (نحو 162 مليار دولار)، ويهدف لتقوية الصناعات الدفاعية وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة. وبعد أقل من عام، تصاعد الجدل مجددا مع التوجهات الأوروبية الرامية إلى تقييد مشاركة تركيا في المكونات الدفاعية الحساسة ضمن برنامج “هورايزون أوروبا” للبحث والتطوير للفترة 2028-2034.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ورغم أن القرارات الأوروبية لم تتضمن صياغات قانونية تتحدث عن حظر تركي صريح، فإن البنية التي صُمِّمَت عليها هذه البرامج وضعت أنقرة عمليا خارج مركز المشروع الدفاعي والتكنولوجي الأوروبي الجديد. فبينما أتاح الاتحاد صيغ تعاون ومشاركة مرنة لدول من خارجه مثل كندا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، بقيت مشاركة تركيا محاطة بقيود سياسية وتنظيمية تعكس حجم التوتر وفقدان الثقة بين الجانبين.
“استبعد الاتحاد الأوروبي مشاركة تركيا ضمن برنامج العمل الأمني لأوروبا وهو أكبر مشروع تمويل دفاعي في تاريخه بميزانية تبلغ 150 مليار يورو”
وقد تجاوزت المسألة حدود الشروط الفنية أو الإجراءات البيروقراطية. فالقارة التي تسعى منذ الحرب الأوكرانية إلى بناء قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي، اختارت إبقاء تركيا، وهي واحدة من أكثر القوى العسكرية ارتباطا بالأمن الأوروبي، خارج البنية المؤسسية التي يجري تشكيلها. وهو ما وضع تركيا، العضو في الناتو منذ عام 1952 وصاحبة ثاني أكبر جيش داخل الحلف بعد الولايات المتحدة، في موقع بعيد عن قلب الترتيبات الدفاعية الأوروبية الجديدة.
ويُظهِر هذا المشهد طبيعة التعقيد الذي يحكم العلاقة التركية الأوروبية في مرحلتها الراهنة، حيث تدرك أوروبا أن ملفات مثل أمن البحر الأسود، وخطوط النفط والغاز، وضبط عمليات الهجرة، والمخاطر القادمة من جنوب شرق أوروبا، والتوازنات الأمنية في شرق المتوسط والشرق الأوسط، يصعب التعامل معها جميعا من دون دور تركي فاعل. ولكن هذا الإدراك لم ينعكس حتى الآن في صورة شراكة أوروبية أكثر انفتاحا تجاه أنقرة.

كما أن هذا الوضع ارتبط بتحول في نظرة تركيا إلى موقعها داخل المنظومة الغربية. فعلى امتداد عقود طويلة، تعاملت أنقرة مع أوروبا باعتبارها مركزا سياسيا واقتصاديا وحضاريا تسعى إلى الاقتراب منه. فمنذ اتفاقية أنقرة عام 1963 مرورا بالاتحاد الجمركي ثم إطلاق مفاوضات العضوية رسميا عام 2005، ظل المشروع الأوروبي حاضرا داخل المخيلة السياسية التركية بوصفه إطارا للاعتراف الدولي والاندماج مع الغرب.
غير أن الخطاب الصاعد في أنقرة اليوم يعكس تصورا مختلفا لدور تركيا ومكانتها، فقد صار المسؤولون الأتراك يتحدثون من موقع دولة تمتلك صناعة دفاعية تجاوزت صادراتها السنوية 10 مليارات دولار، ومسيرات أثرت في الصراعات المشتعلة قرب أوروبا، من ليبيا إلى أوكرانيا ومن سوريا إلى القوقاز.
“الخطاب الصاعد في أنقرة اليوم يعكس تصورا مختلفا لدور تركيا ومكانتها وموقعها داخل المنظومة الغربية”
ولذا ترسخت في التفكير الإستراتيجي التركي قناعة بأن الاعتماد على الغرب في مجالات الدفاع والتكنولوجيا قد يتحول في لحظات التوتر الكبرى إلى أداة ضغط على القرار السيادي التركي، خاصة بعد تجارب مثل خطاب جونسون عام 1964 (وهو رسالة تحذير وجهها الرئيس الأمريكي آنذاك ليندون جونسون إلى رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو لمنع تركيا من التدخل العسكري في قبرص)، وحظر السلاح الأمريكي عقب حرب قبرص عام 1974، ثم أزمة منظومة “إس-400” وإخراج تركيا من برنامج “إف-35”.
ومن جهتها، تبدو أوروبا منشغلة هي الأخرى بإعادة تعريف موقعها، إذ إنها بنت منظومتها الأمنية لعقود طويلة تحت المظلة الأمريكية، لكنها تواجه اليوم أسئلة تتعلق بمستقبل القوة الأوروبية وإمكانية بناء بنية أمنية أكثر استقلالا عن واشنطن.
من هذا المشهد تتشكل المرحلة الجديدة في العلاقات التركية الأوروبية، وهي مرحلة تتداخل فيها الحاجة المتبادلة مع الشكوك السياسية، وتتقاطع فيها الشراكة الأمنية مع التنافس الجيوسياسي، ويتحول فيها النقاش من سؤال عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي إلى سؤال أوسع يتعلق بشكل الشراكة نفسها وحدودها.
تركيا في أوروبا.. 70 عاما
لفهم الموقف التركي الحالي تجاه أوروبا، تبدو العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين أنقرة والغرب ضرورية لفهم الطريقة التي تشكلت بها تصورات الطرفين عن بعضهما البعض. فالتوتر الذي يحيط بالعلاقات التركية الأوروبية اليوم يرتبط بمسار طويل من التحالفات والأزمات والوعود المؤجلة وإعادة تعريف كل طرف لمصالحه. وعلى امتداد هذا المسار، تراكمت لدى تركيا خبرات سياسية وأمنية غيرت نظرتها إلى موقعها داخل المنظومة الغربية، وحدود الثقة في شراكاتها الإستراتيجية مع الدول الغربية.
في فبراير/شباط 1952، انضمت تركيا رسميا إلى حلف شمال الأطلسي في ذروة الحرب الباردة، بعد سنوات من السعي لتثبيت نفسها داخل المعسكر الغربي في مواجهة الاتحاد السوفياتي. وقد مثل الانضمام خيارا إستراتيجيا تجاوز البعد العسكري إلى ما يشبه إعلان تموضع سياسي وحضاري داخل الغرب. فتركيا بموقعها الجغرافي على تخوم الاتحاد السوفياتي تحولت إلى جزء أساسي من الجدار الجنوبي للحلف الأطلسي، بينما رأت النخبة التركية في عضوية الناتو مدخلا نحو الاندماج التدريجي في أوروبا الغربية سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
“كان انضمام تركيا للناتو خيارا إستراتيجيا تجاوز البعد العسكري إلى ما يشبه إعلان تموضع سياسي وحضاري داخل الغرب”
وفي عام 1963، وقعت تركيا اتفاقية أنقرة للانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة وانطلق مسار طويل نحو العضوية الكاملة في المشروع الأوروبي. وقد حملت الاتفاقية تصورا يقوم على اندماج تدريجي بين تركيا وأوروبا، ورسخت داخل الوعي السياسي التركي فكرة أن الدور الأمني الذي تؤديه أنقرة داخل التحالف الغربي يفترض أن يقود في النهاية إلى شراكة سياسية واقتصادية كاملة مع أوروبا. غير أن العقود اللاحقة أثبتت أن الأمر أعقد مما تصورت أنقرة، إذ استمرت العلاقة الاقتصادية في التوسع، في حين ظل المسار السياسي للعضوية الأوروبية يتحرك ببطء وسط أزمات متكررة وخلافات متراكمة.
بعد طلب تركيا العضوية الأوروبية رسميا عام 1987، منحت أنقرة أخيرا صفة الدولة المرشحة في قمة هلسنكي عام 1999، ثم انطلقت مفاوضات الانضمام رسميا عام 2005 وسط آمال واسعة بإمكانية تحقيق اختراق تاريخي في العلاقة بين الجانبين، لا سيما في ذروة المشروع الإصلاحي لحزب العدالة والتنمية الصاعد إلى السلطة حديثا حينها. بيد أن الملفات السياسية العالقة سرعان ما أطلت برأسها، ودفعت المفاوضات تدريجيا نحو الجمود.
مع مرور السنوات، ازداد الاعتقاد داخل تركيا بأن العلاقة مع أوروبا دخلت مرحلة معقدة، تجمع بين الاعتماد الاقتصادي والتعاون الأمني من جهة، والانسداد السياسي وفقدان الثقة من جهة أخرى. ويصف الباحث التركي صديق أرسلان، في دراسته “مفارقات العلاقات التركية–الأوروبية”، هذا النمط بأنه شكل من الاندماج غير المكتمل. ويربط أرسلان ذلك بعدة عوامل، من بينها استمرار البنية التي تفصل بين التكامل الاقتصادي والتكامل السياسي، واستخدام دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وقبرص حق النقض لتعطيل فتح فصول جديدة في مفاوضات العضوية التركية، إضافة إلى صعود الخطابات التي تقدم تركيا بوصفها “الآخر” المرتبط بملفات الهجرة والإسلام والتهديدات الأمنية.
عقدة قبرص
على مدار عقود من العلاقات المتشعبة بين أنقرة وبروكسل، تطل مسألة السيادة كحجر أساس في بناء الهوية الإستراتيجية لكل من تركيا وأوروبا، ومحور للصدام بين رؤيتين متناقضتين للدفاع والأمن. ومن هنا تنبع حساسية الخلاف بين الطرفين، لأنه يمس جوهر السؤال الذي يسبق كل تحالف حول من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يتحكم في أدوات القوة، وإلى أي مدى يمكن تفويض الأمن إلى منظومات جماعية أو شركاء خارجيين.
بالنسبة لتركيا، تشكل هذا الوعي عبر تجارب تاريخية مريرة، لا سيما حظر السلاح الأمريكي عقب العملية العسكرية التي شنتها في شمال قبرص عام 1974 في أعقاب انقلاب مدعوم من اليونان استهدف السيطرة على الجزيرة بالكامل بما في ذلك سكانها الأتراك في الشمال. وأسفرت العملية عن إعلان جمهورية شمال قبرص التركية لحمايتها في مواجهة الجنوب، المدعوم من اليونان، والذي يحظى حتى اليوم بانحياز أوروبا.
جاء رد الفعل الأمريكي والغربي حادا آنذاك، إذ فرض الكونغرس الأمريكي، وتحت ضغط اللوبي اليوناني، حظرا على تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى تركيا بدءا من فبراير/شباط 1975، بحجة استخدام أنقرة عتادا أمريكيا في العملية، رغم استمرار عضوية تركيا في حلف الناتو. وقد استقبل القرار في تركيا بغضب عميق، وعد تجسيدا لتحيز سياسي ضد المصالح القومية التركية.
“تعد قبرص العقدة التاريخية للعلاقات التركية الغربية”
وقد أعاد الحظر إلى الواجهة ذكريات سابقة زعزعت الثقة في العلاقة مع واشنطن. وأول إشارات تراجع الثقة كانت عام 1962 أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، حين اختارت الولايات المتحدة نقل صواريخها من تركيا مقابل سحب الاتحاد السوفياتي صواريخه من كوبا، وهو ما ترك انطباعا لدى الأتراك مفاده أن الأمريكيين لا يرون في أنقرة حليفا موثوقا، ولا يضعون هواجسها الأمنية في الاعتبار.
وأتت أزمة الثقة الثانية عام 1964، عندما حذر الرئيس ليندون جونسون أنقرة من مغبة التدخل العسكري في قبرص واستخدام أسلحة أمريكية هناك، مع تصاعد المواجهة بين القبارصة الأتراك واليونانيين، متجاهلا المصالح التركية. ولذا رأت تركيا في رسالته انتقاصا من سيادتها وتهميشا لأمنها في جوارها المباشر، وهو منعطف فتح الباب لسياسات تسليحية جديدة مكنت تركيا بعد 10 أعوام من شن العملية العسكرية في شمال قبرص عام 1974.

مثلت لحظة 1974 نقطة تحول في العقلية الإستراتيجية التركية، إذ أدركت عندها أنقرة حدود الاعتماد على الحلفاء في تلبية متطلبات أمنها القومي المباشر، ورسخت قناعة متنامية بأن استقلال القرار الأمني والعسكري يحتاج إلى قاعدة صناعية وطنية قادرة على إنتاج السلاح وتطوير التكنولوجيا الدفاعية وتوفير هامش أوسع للمناورة في أوقات الأزمات.
وعلى مدى العقود التالية، عملت تركيا على تشييد مشروع استقلالها الدفاعي. ففي عام 1985 تأسست هيئة الصناعات الدفاعية التركية لتنسيق جهود التوطين العسكري. ومع الوقت تحولت الصناعات الدفاعية من ملف تقني وعسكري إلى جزء أساسي من الرؤية التركية للاستقلال السياسي.
وتستند العقيدة الدفاعية التركية اليوم على ثلاثة أبعاد مترابطة، يجمع بينها الرغبة في تحرير القرار الأمني والعسكري من أي ضغوط خارجية محتملة. البعد الأول هو بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على إنتاج السلاح الأساسي ورفع نسب الاكتفاء الذاتي إلى مستويات عالية. ووفقا للرؤية التركية، لا يمكن فصل الاستقلال السياسي عن امتلاك أدوات القوة المادية، ولا يمكن ضمان حرية القرار الإستراتيجي في أوقات الأزمات من دون قدرة محلية على إنتاج السلاح وتطويره وتأمين احتياجات الجيش بعيدا عن تقلبات المواقف الدولية ومصالح العواصم الحليفة.
“مع الوقت تحولت الصناعات الدفاعية من ملف تقني وعسكري إلى جزء أساسي من رؤية تركيا للاستقلال السياسي”
أما البعد الثاني فيتصل بتنويع مصادر التسليح، بما يقلص اعتماد أنقرة على مزود واحد، سواء كان أمريكيا أو أوروبيا أو روسيا. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة صفقة منظومة “إس-400” الروسية عام 2019، التي أثارت اعتراضا واسعا في واشنطن، بوصفها تعبيرا عن رغبة تركية في كسر الاحتكار الغربي لسوق التسليح، وتوسيع خياراتها الدفاعية، والتفاوض مع الحلفاء والخصوم من موقع يمنح أنقرة هامشا أوسع للمناورة.
ويتعلق البعد الثالث برفض القيود المفروضة على استخدام السلاح، حيث تنظر أنقرة بحساسية إلى الشروط التي تمنح البائع حقا غير مباشر في التحكم بطريقة تشغيل منظومات السلاح أو تفرض قيودا على استخدامها أو تطلب الوصول إلى بياناتها التقنية والدفاعية. وفي هذا الإطار جاء التحفظ التركي على بعض العروض الأمريكية الخاصة بمنظومة الدفاع الجوي “باتريوت”، إذ رأت فيها أنقرة شروطا تحد من حرية استخدامها، وتبقي جزءا من السيطرة الفعلية خارج يدها.
السيادة الوطنية.. هدف تركي وشبح أوروبي
تحولت هذه الأبعاد الثلاثة إلى ركيزة للهوية السياسية التي صاغها الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية حول مفهوم “تركيا القوية والمستقلة”. فقد صارت برامج المسيرات، مثل “بيرقدار تي بي 2” و”أقنجي”، أو مشروع الطائرة القتالية الوطنية “قآن”، أو الطائرة التدريبية “حرجيت”، أو برامج الغواصات والصواريخ الباليستية؛ تقدم جميعها للرأي العام التركي بوصفها رموزا ملموسة للسيادة الوطنية، وشواهد على انتقال البلاد من موقع المستهلك إلى موقع المنتج والمصدر للتكنولوجيا الدفاعية.
على الجهة المقابلة، يتعامل الاتحاد الأوروبي مع السيادة من زاوية مغايرة، تشكلت إلى حد بعيد داخل الذاكرة الأوروبية للحروب الكبرى. إذ تركت الحربان العالميتان أثرا كبيرا في الوعي السياسي الأوروبي، حين كشفت الأولى خطورة التنافس بين القوميات والتحالفات المتصارعة، بينما أظهرت الثانية كيف يمكن لصعود النزعات القومية “المتطرفة” أن يحول الدولة الحديثة إلى أداة حرب شاملة. ومن هذه الذاكرة نشأت قناعة أوروبية بأن الأمن المستقر يحتاج إلى تحويل القوة المتفرقة بين الدول إلى قدرة جماعية منظمة تعمل داخل مؤسسات مشتركة وتخضع لقواعد سياسية وقانونية متفق عليها.
“تركت الحربان العالميتان أثرا كبيرا في الوعي السياسي الأوروبي، وشكلتا رؤيته للسيادة والأمن”
ويرى الباحث دانييل فيوت، في تحليل نشره معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي، أن مفهوم “الاستقلال الإستراتيجي” عاد إلى طاولة النقاش الأوروبي بعد عام 2016، مع تصاعد القلق من هشاشة البيئة الأمنية المحيطة بالقارة، وتراجع اليقين تجاه الضمانات الأمريكية التقليدية إثر صعود دونالد ترامب رئيسا في واشنطن.
وتخوض أوروبا نقاشا مؤخرا حول قدرة الاتحاد على تنفيذ عمليات عسكرية في جواره المباشر عند الحاجة، وبشكل غير معتمد كليا على الولايات المتحدة، مع الحفاظ على موقعه داخل الناتو والعلاقة عبر الأطلسي. وتعد تلك محاولة لبناء هامش أوروبي مستقل داخل التحالف، يتيح لبروكسل قدرا أكبر من المبادرة في بيئتها الأمنية القريبة، ويجعلها شريكا أقدر على تحمل الأعباء.

ومن هنا يرتبط مفهوم “الاستقلال الإستراتيجي” في الرؤية الأوروبية بتوطيد العمل الجماعي وتقليل مساحة القرارات الدفاعية المنفردة لكل دولة. فحين يتحدث الاتحاد الأوروبي عن امتلاك قدرة أكبر على الفعل، فإنه يقصد غالبا بناء أدوات مشتركة، وتنسيق الإنفاق العسكري، وتطوير صناعات دفاعية تجمع أكثر من دولة أوروبية، وإخضاع القرار الأمني لمنطق يوازن بين مصالح الدول الأعضاء.
ومن ثم يصبح الاستقلال الأوروبي استقلالا جماعيا داخل منظومة مشتركة، تقوم على تقاسم الموارد والمخاطر وصناعة القرار، وتحد من نزعات التحرك الفردي التي شكلت تاريخ القارة قبل عام 1945، وتزيد في الوقت نفسه من استقلالية أوروبا نفسها ككتلة مقارنة بعقود الاعتماد الكامل على واشنطن.
ويتجسد هذا التوجه في مبادرات دفاعية مؤسسية مثل “التعاون الهيكلي الدائم” و”صندوق الدفاع الأوروبي”. وتتعامل بروكسل مع هذه الآليات باعتبارها أدوات لبناء قدرات إستراتيجية أوروبية أوسع، تجمع بين تطوير الصناعات الدفاعية، وتقليل الفجوات التكنولوجية مع القوى الأكثر تطورا منها، وتنسيق الإنفاق العسكري، وتوجيه الدول الأعضاء نحو مشاريع مشتركة تقلل حالة التشتت بين الجيوش والأسواق ومنظومات التسليح الوطنية.
“يجد الطرفان، تركيا وأوروبا، نفسيهما أمام تصورين مختلفين لمعنى السيادة”
هنا تظهر نقطة التنافر الأساسية مع الرؤية التركية، إذ إن أنقرة تقبل الشراكة في ملفات محددة، وتدرك أهمية التحالفات في بيئة أمنية معقدة، لكنها تجد صعوبة كبيرة في ربط قرارها السيادي بإرادة دول أخرى أو بهياكل مؤسسية تمنح أطرافا خارجية قدرة على تعطيل خياراتها الأمنية والعسكرية. وهكذا يجد الطرفان نفسيهما أمام تصورين مغايرين لمعنى السيادة. ففي التصور التركي، تميل أنقرة إلى امتلاك أدوات القوة الوطنية لضمان حرية قرارها المنفرد، أما في التصور الأوروبي، فترى بروكسل أن القوة تبنى عبر ترويض الميول الوطنية المنفردة، والدمج المؤسسي والاعتماد المتبادل بين الدول الأعضاء.
من هذا الاختلاف يتولد قدر كبير من التوتر في علاقة تركيا بأوروبا كما شهدنا على مدار العقد السابق، إذ لا يقتصر الخلاف على برامج تسليح أو آليات تمويل، وإنما يتصل بسؤال أوسع حول مستقبل الأمن وماهية السيادة، ولذا باتت الشراكة بين أنقرة وبروكسل متعثرة في سبيل دمج رؤيتين مختلفتين للسيادة داخل بيئة إستراتيجية واحدة.

ما الذي تقدمه تركيا لأوروبا؟
بعد تفكيك الخلاف حول معنى السيادة، يفرض الواقع سؤالا حول من يملك القوة القابلة للاستخدام حقا. فالأفكار الكبرى على الورق تحتاج إلى اختبارها في ميادين الإنتاج والتسليح والتمويل والانتشار والقدرة على اتخاذ القرار. ولربما تكون الأرقام مدخلا لفهم ما تستطيع تركيا أن تقدمه لأوروبا، وما تحتاجه من أوروبا، وما تكشفه المفارقة الأوسع بين طرف يملك سرعة القرار ويعاني ضيق الموارد، وطرف يملك وفرة مالية وصناعية ضخمة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من الدول والمؤسسات والمصالح المتباينة.
بحسب بيانات رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، ارتفعت نسبة المكونات المحلية في السلاح التركي من نحو 20% في منتصف التسعينيات إلى قرابة 80% بحلول عام 2024، بالتوازي مع توسع عدد الشركات العاملة في المجال إلى أكثر من 3500 شركة، وارتفاع عدد المشاريع الدفاعية إلى أكثر من 1100 مشروع، ضمن مسار طويل لتوطين الإنتاج وتلبية احتياجات الجيش محليا. وعلى مستوى الصادرات، سجل قطاع الدفاع والطيران التركي حوالي 7 مليارات دولار عام 2024، بزيادة قدرها 19% عن العام السابق، قبل أن يتجاوز عتبة 10 مليارات دولار عام 2025.
“ارتفعت نسبة المكونات المحلية في السلاح التركي من نحو 20% في منتصف التسعينيات إلى قرابة 80% بحلول عام 2024”
وتعزز مؤشرات السوق العالمية هذه الصورة، إذ أفاد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن صادرات السلاح التركية نمت بنسبة 106% من الفترة بين عامي 2014-2018 إلى الفترة بين عامي 2019-2023، وأن حصتها من صادرات السلاح العالمية ارتفعت إلى 1.6%، ووصلت إلى المرتبة 11 بين كبار المصدرين. أما على مستوى الشركات، فقد تضمنت قائمة “ديفنس نيوز” لأكبر مئة شركة دفاعية في العالم لعام 2025 خمس شركات تركية، وجاءت “أسيلسان” في المرتبة 43 عالميا بإيرادات دفاعية بلغت 3 مليارات ونصف المليار دولار.
وتملك تركيا عناصر قوة يصعب على أوروبا تجاهلها، أولها هو حجم الجيش، الذي تتراوح قوته البشرية بين 350 و425 ألف جندي، ويعد ثاني أكبر جيش في الناتو. غير أن القيمة هنا تتصل بطبيعة الخبرة الميدانية التي اكتسبها الجيش التركي في بيئات متعددة، من سوريا والعراق إلى ليبيا والصومال، ناهيك عن دوره غير المباشر في أوكرانيا عبر منظومات التسليح والدعم الدفاعي.
تفتقر معظم الجيوش الأوروبية إلى هذا النوع من الخبرة القتالية المباشرة والمتراكمة. فبعد عقود من الانخراط في عمليات محدودة أو بعيدة جغرافيا، عادت الحرب الأوكرانية لتكشف أن أوروبا تحتاج إلى إعادة بناء ثقافة عسكرية وصناعية قادرة على التعامل مع حرب استنزاف طويلة واستهلاك كثيف للذخائر، وضغط مستمر على سلاسل الإنتاج.
العنصر الثاني لدى تركيا هو الموقع الجغرافي. فتركيا تقع عند تقاطع البحر الأسود والبلقان والشرق الأوسط وشرق المتوسط والقوقاز، وتسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل، وهما البوابة البحرية الوحيدة بين البحر الأسود والبحر المتوسط. وقد أظهرت الحرب الأوكرانية أهمية هذه الورقة حين استخدمت أنقرة اتفاقية مونترو لتنظيم مرور السفن الحربية، ما منحها دورا حساسا في إدارة التوازن بين موسكو وكييف وحلفاء الغرب.
“أنقرة تملك بحكم موقعها وحدودها وشبكاتها الإقليمية قدرة عملية على فتح المسارات أو تضييقها في ملفات حيوية في مقدمتها الهجرة والأمن”
هنا استخدم الباحثان أصلي أوكياي وجوناثان زاراغوزا-كريستياني مفهوم “نفوذ البواب” لتفسير موقع تركيا في علاقتها بأوروبا. فأنقرة تملك بحكم موقعها وحدودها وشبكاتها الإقليمية قدرة عملية على فتح المسارات أو تضييقها في ملفات حيوية في مقدمتها الهجرة والأمن. ونشأ هذا النفوذ من تلاقي الجغرافيا مع سلسلة من الأزمات المتراكمة، ثم تحول مع الوقت إلى ورقة مركزية في إدارة العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

أوروبا.. مال كثير وتجزئة عميقة
على الجانب الأوروبي، تبدو الأرقام أوسع بكثير من قدرات تركيا المنفردة. إذ بلغ الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء في وكالة الدفاع الأوروبية نحو 214 مليار يورو (نحو 231 مليار دولار) عام 2021، أي ما يعادل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة، قبل أن يرتفع بصورة لافتة بعد الحرب الأوكرانية وتسارع النقاش حول الجاهزية العسكرية الأوروبية. وبحلول عام 2024، وصل إنفاق دول الاتحاد الأوروبي على الدفاع إلى نحو 343 مليار يورو (نحو 370 مليار دولار)، مع تجاوز الاستثمارات الدفاعية عتبة 100 مليار يورو، بما يعادل نحو 31% من إجمالي الميزانيات الدفاعية.
ولا تقف الزيادة عند حدود الميزانيات السنوية. فمسار “الجاهزية الدفاعية 2030” الذي طرح ضمن النقاش الأوروبي حول إعادة تسليح القارة، يفتح الباب أمام تعبئة مالية أوسع عبر تفعيل هامش استثنائي في قواعد العجز الأوروبية، بما يسمح للدول الأعضاء بزيادة إنفاقها الدفاعي خارج القيود المالية المعتادة. ووفق التقديرات المتداولة، قد يضيف هذا المسار ما يصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي، أي ما يقارب 800 مليار يورو خلال أربع سنوات، إذا مضت الدول الأعضاء في استغلاله بالحد الأقصى.
وتتسع الصورة أكثر في المقترحات المالية بعيدة المدى. فمشروع الموازنة الأوروبية للفترة بين عامي 2028-2034 يقترح تخصيص 131 مليار يورو (نحو 141.5 مليار دولار) لنافذة الدفاع والفضاء ضمن صندوق التنافسية الأوروبي، في زيادة ضاعفت تمويل الدورة السابقة خمس مرات، إلى جانب مضاعفة تمويل البنية التحتية ذات الاستخدام العسكري والمدني.
“حجم السوق الأوروبية وعمق القاعدة الصناعية فيها، وخبرة شركات مثل إيرباص وتاليس وليوناردو، تمنح أوروبا قدرة مالية وتكنولوجية كبرى”
هذه أرقام لا تستطيع تركيا مجاراتها منفردة. فحجم السوق الأوروبية وعمق القاعدة الصناعية فيها، وخبرة شركات مثل “إيرباص” و”تاليس” و”ليوناردو”، تمنح أوروبا قدرة مالية وتكنولوجية كبرى. كما تمتلك القارة خبرة طويلة في إنتاج الطائرات المقاتلة والغواصات وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والمركبات المدرعة والتقنيات الفضائية.
تكمن المفارقة في الفجوة بين حجم الإنفاق والقدرة على تحويل تلك الإمكانيات إلى قوة متماسكة، إذ يضم الاتحاد الأوروبي 27 دولة، لكل منها أولويات دفاعية وحسابات سياسية ومخاوف أمنية مختلفة. فما تراه دول البلطيق وبولندا أولوية عاجلة في مواجهة روسيا، قد لا يحظى بالوزن ذاته لدى دول جنوب أوروبا المنشغلة بالهجرة والبحر المتوسط والساحل الأفريقي. وما يناسب الصناعة الفرنسية قد يصطدم بمصالح ألمانية أو إيطالية أو إسبانية.
ولهذا تتحدث تقارير وكالة الدفاع الأوروبية نفسها عن ضعف الكفاءة الجماعية، واستمرار ميل الدول إلى الصفقات الوطنية السريعة، خاصة بعد الحرب الأوكرانية. وحتى في مجال البحث والتكنولوجيا، يبقى الإنفاق التعاوني محدودا ومتركزا لدى عدد صغير من الدول.

أنقرة وبروكسل.. علاقة مركبة
رغم هذا الصعود اللافت، تبقى الصورة التركية أقل اكتمالا مما يوحي به الخطاب الرسمي. فالاستقلال الدفاعي تحقق بدرجات متفاوتة بين القطاعات المختلفة. لقد أصبحت تركيا متقدمة في المسيرات والمركبات المدرعة وبعض المنظومات البحرية والذخائر الذكية والإلكترونيات الدفاعية، لكنها تواجه تحديات في المحركات النفاثة عالية الأداء والرادارات المتقدمة وأشباه الموصلات والمواد الخاصة وأنظمة الحرب الإلكترونية العميقة، وبعض الشهادات والاعتمادات المرتبطة بسلاسل التوريد الدولية.
وتظهر هذه الفجوة في مشاريع كبرى مثل “قآن” والغواصات وبعض السفن الحربية وأنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى. فالمنتج النهائي قد يحمل اسما تركيا وتصميما وطنيا، لكنه قد يتضمن مكونات أو تقنيات أو اعتمادات مرتبطة بشركات غربية. وهذا لا ينتقص من قيمة التحول التركي، لكنه يضعه في حجمه الواقعي، إذ قطعت تركيا شوطا كبيرا في تقليل الاعتماد، لكنها ما زالت بحاجة إلى شراكات انتقائية في المجالات الأكثر حساسية وتعقيدا.
“قطعت تركيا شوطا كبيرا في تقليل الاعتماد، لكنها ما زالت بحاجة إلى شراكات انتقائية في المجالات الأكثر حساسية وتعقيدا”
ويلفت الباحث أوغور طارتشين، في دراسته “الآفاق الإستراتيجية لتطوير الصناعة الدفاعية التركية”، إلى أن التحديات الحقيقية أمام الاستقلال الدفاعي المستدام تشمل تمويل الصادرات، والحفاظ على الكفاءات البشرية المتخصصة، وتطوير الحوكمة المؤسسية، وربط القدرات التقنية بسوق عالمي مستقر. فالصناعة الدفاعية لا تزدهر بالتصنيع وحده، بل تحتاج إلى تمويل وبحث علمي وسلاسل توريد وأسواق تصدير واستقرار مؤسسي.
تبدو علاقة تركيا بأوروبا محكومة بمعادلة مركبة، حيث تحتاج أنقرة إلى بعض التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة، وإلى السوق الأوروبية بوصفها سوقا تمنح المصداقية والسمعة، وإلى التعاون البحثي في المجالات الدقيقة. وفي المقابل، تحتاج أوروبا إلى قدرة تركية عملية وسريعة في مجالات أثبتت الحرب الأوكرانية أهميتها، خاصة المسيرات والذخائر والأنظمة الأقل كلفة والأسرع إنتاجا، إضافة إلى الموقع الجغرافي والخبرة العملياتية.
في النهاية، يلخص سؤال أردوغان: “من يحتاج إلى من؟” التحول في موقع تركيا داخل المخيلة الأوروبية، وفي نظرة تركيا إلى نفسها كذلك. فقد مضى زمن طويل كانت فيه العلاقة تقرأ غالبا من زاوية واحدة: دولة مرشحة تسعى إلى أوروبا واتحاد يملك حق القبول والتأجيل والاشتراط. أما اليوم تبدو الصورة مختلفة، فلم تغادر تركيا المجال الأوروبي أمنيا واقتصاديا، ولم تعد أوروبا قادرة على التعامل معها بوصفها مرشحا للعضوية لا أكثر أو ملفا هامشيا.
غير أن السؤال بصيغته الدعائية، يختزل علاقة أوسع من أن تحسم بمنطق الحاجة الأكبر. فأنقرة ما تزال بحاجة إلى التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة، وإلى السوق وشبكات البحث والاعتراف الصناعي الذي يوفره الارتباط بالفضاء الأوروبي. وفي المقابل، تحتاج أوروبا إلى الموقع الجغرافي التركي والخبرة العسكرية المتراكمة والصناعات الدفاعية المرنة.
لهذا تبدو العلاقة أقرب إلى اعتماد متبادل يفتقر إلى الثقة الكاملة. فكل طرف يدرك أهمية الآخر، لكنه يتعامل في الوقت نفسه مع شراكة محكومة بالحذر والتنافس واختلاف الأولويات الإستراتيجية. ومن هنا تبدو القطيعة الكاملة خيارا مكلفا، كما يبدو الاندماج الكامل صعبا في ظل اللحظة السياسية الحالية.
“تبدو القطيعة الكاملة خيارا مكلفا، كما يبدو الاندماج الكامل صعبا في ظل اللحظة السياسية الحالية”
ولعل الأقرب إلى الواقع هو استمرار المنطقة الرمادية التي حكمت العلاقة خلال السنوات الأخيرة، مع تعاون في بعض الملفات، وتوتر في ملفات أخرى، وشراكات عملية تفرضها المصالح الأمنية والاقتصادية، يقابلها خلاف مستمر حول السيادة والقيم وترتيبات الأمن الإقليمي. ولهذا ستواصل بعض العواصم الأوروبية البحث عن صيغ تعاون أكثر براغماتية مع أنقرة، بينما ستواصل تركيا سياسة تعدد المسارات، الاقتراب من أوروبا حيث توجد التكنولوجيا والسوق الواسع، والتوجه إلى آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط حيث توجد المرونة السياسية والأسواق الأقل اشتراطا.
ولا يتعلق السؤال الحقيقي بمن يحتاج إلى الآخر بقدر ما يتعلق بكيفية إدارة هذا الاعتماد المتبادل. ولذلك يبدو مستقبل العلاقة التركية الأوروبية معلقا على قدرة الطرفين على بناء صيغة جديدة تستوعب التحولات التي أصابت موازين القوى ومفهوم السيادة وحدود الشراكة في البيئة الأمنية الأوروبية الجديدة.
وربما تكمن الخلاصة الأهم في أن ميزان العلاقة تغير فعلا، لكن هذا التغير لم يمنح أيا من الطرفين قدرة حقيقية على الاستغناء عن الآخر. فتركيا أصبحت أكبر من أن تدار بسياسة الاستبعاد، وأوروبا ما تزال أكبر من أن تتعامل معها أنقرة بمنطق الاستغناء التام.