خيم الحزن على الوسط الفني الخليجي والعربي بعد الإعلان، اليوم الثلاثاء، عن وفاة الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد عن عمر ناهز 78 عاما، عقب مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود تركت خلالها بصمة راسخة في تاريخ الدراما العربية، لتفقد الشاشة الخليجية برحيلها واحدة من أبرز أيقوناتها.
وأعلنت الصفحة الرسمية لمؤسسة الفهد للإنتاج الفني عبر إنستغرام نبأ الوفاة، في بيان جاء فيه: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى وفاة الفنانة القديرة حياة الفهد، التي وافتها المنية بعد معاناة مع المرض، إثر مسيرة حافلة بالعطاء الفني والإنساني”، مؤكدة أنها كانت “رمزا من رموز الدراما الخليجية، وتركت إرثا خالدا سيبقى في ذاكرة الأجيال”.
أزمة صحية سبقت رحيل “سيدة الشاشة الخليجية”
جاء رحيل “سيدة الشاشة الخليجية” بعد أزمة صحية بدأت في أغسطس/آب 2025 حين نُقلت إلى المستشفى إثر جلطة دماغية، لتدخل مرحلة علاجية دقيقة حظيت بمتابعة واسعة من جمهورها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وكان مدير أعمالها يوسف الغيث قد أوضح في تصريحات للجزيرة نت أن الفهد خضعت قبل ذلك بفترة قصيرة لقسطرة في القلب، وأن الجلطة أثرت على وضعها الصحي العام واستدعت نقلها إلى العناية المركزة، مع استقرار وظائفها الحيوية في حينه.
وفي فبراير/شباط 2026 أعلنت أسرتها عبر حسابها على إنستغرام أنها لا تزال تتلقى رعاية طبية مكثفة في أحد مستشفيات الكويت، بعد عودتها من رحلة علاج في لندن لم تحقق النتائج المرجوة، مشيرة إلى أن حالتها استدعت منع الزيارات بناء على توصيات الفريق الطبي.
رسائل وداع من نجوم الخليج والعرب
أثار نبأ وفاة حياة الفهد موجة واسعة من الحزن في الوسطين الفني والإعلامي، إذ تسابق فنانون من دول عديدة إلى نعيها بكلمات مؤثرة واستعادة مكانتها في الدراما الخليجية.
فقد نعتها المطربة الإماراتية أحلام عبر منصة “إكس”، وكتبت: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. ننعى وفاة الفنانة القديرة حياة الفهد التي وافتها المنية اليوم بعد معاناة مع المرض، إثر مسيرة حافلة بالعطاء الفني والإنساني، وتركت إرثا خالدا سيبقى في ذاكرة الأجيال، نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته وأن يسكنها فسيح جناته”.
واستعاد الفنان الكويتي داود حسين عبر إنستغرام علاقته بها قائلا: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. الأخت الكبيرة حياة الفهد في ذمة الله.. إلى جنات الخلد يا أم سوزان”.
كما عبّر المخرج والممثل الإماراتي حبيب غلوم عن حزنه لرحيلها، مقدما تعازيه لأسرتها وللأسرة الفنية في الكويت والعالم العربي، وداعيا لها بالرحمة.
ومن البحرين، نعتها الممثلة هيفاء حسين قائلة إن الوسط الفني خسر قامة كبيرة لن تتكرر، وكتبت: “لا حول ولا قوة إلا بالله.. نعزي أنفسنا وإخواننا في الكويت، الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته”.
الإعلامية الكويتية مي العيدان رثتها مستعيدة صداقة استمرت 36 عاما، ووجهت العزاء إلى ابنتها سوزان وأحفادها ومحبيها، مؤكدة أنها خسرت “إنسانة لا تعوّض وقلبا غاليا وفنانة لن يجود الزمان بمثلها”، وأن رحيلها ترك ألما كبيرا في القلب والذاكرة.
ونعت الممثلة العراقية هدى حسين زميلتها الراحلة بعبارات مؤثرة، مؤكدة أن “الفقد مؤلم، لكن العزاء في الدعاء والذكر الطيب، وفي ما تركته الراحلة من أثر ومحبة في القلوب”.
ومن السعودية، وصفت الممثلة إلهام علي حياة الفهد عبر خاصية القصص المصورة في إنستغرام بأنها صاحبة ابتسامة حاضرة وداعمة للمواهب الشابة، مؤكدة أنها كانت بحق “سيدة الشاشة الخليجية”، وداعية لها بالرحمة والصبر لأهلها ومحبيها.
كما نشر الفنان الكويتي حسن البلام صورة للراحلة معلنا خبر وفاتها ومعبّرا عن حزنه على رحيلها.
ونعت المطربة الأردنية ديانا كرزون الفنانة الراحلة، متوجهة بالدعاء لها وبالتعزية لعائلتها والوسط الفني الكويتي والعربي.
وقالت الممثلة البحرينية ريم أرحمة إن مكانة حياة الفهد “في القلب لا تعوّض”، وإنها لم تكن مجرد فنانة عظيمة، بل حضورا سيبقى رغم الغياب وأثرا ممتدا عبر الزمن.
أما قناة “دبي بلس” فوصفَت الراحلة بأنها “مدرسة في الفن وحكاية لا تُنسى في كل بيت خليجي وعربي”، مؤكدة أن رحيلها لا يعني غياب أثرها الذي سيبقى محفورا في القلوب من خلال صوتها وملامحها وحضورها اللافت، قائلة في رسالة وداعها: “قدمت لنا أعمالا عشنا معها وضحكنا وبكينا، وصنعت تاريخا لن يتكرر. اليوم نودع قامة فنية كبيرة، لكن ذكراها ستظل حية في كل مشهد، وفي كل قلب أحبها”.
طفولة صعبة وبداية من مستشفى الصباح
تعد حياة الفهد من أبرز الأسماء التي صنعت تاريخ الدراما في الكويت والخليج العربي، إذ امتدت مسيرتها لأكثر من ستة عقود منذ انطلاقتها في ستينيات القرن الماضي، وقدمت خلالها أعمالا متنوعة رسخت مكانتها بين نجمات الفن الخليجي وأسهمت في صياغة ملامح الدراما الكويتية والخليجية عبر أجيال متعاقبة.
ولدت حياة الفهد في منطقة شرق بالكويت، وعاشت طفولة صعبة بعد فقدان والدها وهي في الخامسة من عمرها، قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى منطقة المرقاب، حيث واجهت مبكرا قسوة الحياة ومسؤولياتها.
لم تكمل تعليمها الابتدائي، لكن رغبتها في المعرفة دفعتها لتعليم نفسها، فأتقنت القراءة والكتابة بالعربية والإنجليزية، قبل أن تبدأ حياتها العملية موظفة في مستشفى الصباح.
وتشكل شغفها بالفن مبكرا بعد تأثرها بمشاهدة أحد أفلام فريد الأطرش، لتبدأ التردد على دور السينما ومتابعة الأعمال الفنية بشغف متزايد. وجاءت نقطة التحول حين زار الفنان الكويتي المعروف “أبو جسوم” المستشفى الذي تعمل فيه، واقترح انضمامها إلى فرقته المسرحية.
ورغم رفض أسرتها في البداية، تمسكت بحلمها وخاضت مواجهة مبكرة دفاعا عن خيارها الفني، حتى نجحت في إقناع العائلة. ومن هناك بدأت أولى خطواتها على المسرح، مستندة إلى إرادة قوية ودعم شقيقها، لتنطلق لاحقا في رحلة جعلت منها واحدة من أبرز نجمات الدراما الخليجية.
من الإذاعة والمسرح إلى أيقونة الدراما الخليجية
امتلكت حياة الفهد مسيرة اتسمت بالتنوع والاستمرار، متنقلة بين التمثيل والإذاعة والكتابة. ففي بداياتها خلال ستينيات القرن الماضي، عملت مذيعة في الإذاعة الكويتية لعدة سنوات وقدمت برامج ساهمت في صقل حضورها، كما أصدرت ديوانا شعريا بعنوان “عتاب” عكست فيه مشاعر وتجارب إنسانية بلغة قريبة من الجمهور.
وشكل المسرح نقطة الانطلاق الحقيقية لمشوارها، فشاركت في أعمال مبكرة رسخت اسمها، من بينها “عايلة بو جسوم” و”أنا والأيام” و”الجوع” و”الضحية” و”فلوس ونفوس” و”ضاع الديك”.
ومع مطلع السبعينيات اتجهت إلى التلفزيون وبرزت في أعمال، منها “شرباكة” و”الحدباء” و”علاء الدين” و”ألوان من الحب” و”قصة موال” و”بنت البادية” و”حبابة”، مما أسهم في تثبيت حضورها لدى الجمهور.
وفي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات دخلت مرحلة البطولة وقدمت شخصيات لامست واقع المجتمع الخليجي، خاصة قضايا المرأة وتحولاتها الاجتماعية. ومن أشهر أعمالها “خالتي قماش”، إلى جانب “زواج بدون رصيد” و”ثمن عمري” و”الحريم” و”جبروت امرأة” و”أبلة نورة”.
وحضرت أيضا في الأعمال التراثية والتاريخية فشاركت في مسرحية “باي باي عرب”، وبرزت في العمل التاريخي “أسد الجزيرة”، مجسدة إحدى الشخصيات النسائية المؤثرة في تاريخ المنطقة.
كما قدمت أدوارا كوميدية حققت انتشارا واسعا، من بينها “زوجة بالكمبيوتر” و”رقية وسبيكة” و”عائلة فوق تنور ساخن” و”عيال الفقر”، مؤكدة قدرتها على الانتقال بين التراجيديا والكوميديا بسلاسة.
وفي الألفية الجديدة واصلت تقديم أعمال تناقش قضايا المجتمع والمرأة الخليجية، من بينها “خارج الأسوار” و”حبر العيون” و”ريحانة” و”حال مناير” و”الجدة لولوة” و”غنيمة وغنايم” و”حصة قلم” و”حدود الشر” و”أم هارون”. وخلال السنوات الأخيرة، عادت إلى الأجواء الكوميدية عبر مسلسل “قرة عينك” عام 2023.

رصيد من الجوائز يوازي حضورها الجماهيري
حفرت هذه المسيرة في سجلات التكريم الرسمي العربي، إذ نالت حياة الفهد عددا كبيرا من الجوائز خلال مشوارها الفني. ففي عام 1989، توجت بجائزة أفضل ممثلة من مهرجان الكويت المسرحي عن دورها في مسرحية “إذا طاح الجمل”، قبل أن تحصل في العام التالي على تكريم من مهرجان “يوم الفن” في العراق تقديرا لعطائها الفني.
وخلال التسعينيات، نالت شهادة تقدير من مهرجان القاهرة للإذاعة عام 1996 عن مسلسل “الطير والعاصفة”، ثم كرمت عام 1998 عن مسلسل “بيت الوالد”. وفي 1999، كرمتها جامعة الدول العربية ضمن مهرجان “الرواد العرب” الأول، تقديرا لإسهامها في تطور الدراما الخليجية.
ومع بداية الألفية الجديدة حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في مجال الفنون عن مسلسل “الدردور” خلال مهرجان القرين الثقافي، كما كرمت عام 2002 في مهرجان عمون للمسرح بالأردن، وفازت بجائزة أفضل ممثلة من مهرجان القاهرة التاسع للإذاعة والتلفزيون عن دورها في “ثمن عمري”.
وفي عام 2007، حصدت تكريما خاصا من مهرجان الإعلام العربي، كما نالت جائزة أفضل ممثلة عن مسلسل “الفرية” من جائزة فهد الأحمد للدراما التلفزيونية في الكويت. وفي العام التالي، حصلت على جائزة الدولة التقديرية، إلى جانب الجائزة الذهبية عن الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني من مهرجان الخليج العاشر للإذاعة والتلفزيون، فضلا عن تكريمها في مهرجان أيام المسرح للشباب بالكويت.
وامتد حضورها التكريمي عربيا عام 2009، حيث احتفى بها مهرجان الخليج السينمائي، كما كرمتها شبكة راديو وتلفزيون العرب (ART)، ونالت جائزة “جوردن أوورد” في الأردن، إضافة إلى تكريم من مهرجان وهران السينمائي في الجزائر.
وفي عام 2011، كرمتها جمعية بيادر السلام النسائية في الكويت، ليستقر اسمها ضمن أبرز الرموز الفنية التي جمع مسارها بين الموهبة والريادة والتقدير الرسمي والشعبي.
كان آخر ظهور فني لحياة الفهد في رمضان 2025 من خلال مسلسل “أفكار أمي”، لتختتم بذلك مسيرة امتدت لعقود وبقيت خلالها واحدة من أبرز نجمات الدراما الخليجية والعربية، تاركة إرثا فنيا غنيا وشخصيات ستبقى حاضرة في ذاكرة الجمهور.