يتجاوز فيلم “المواطن أسامة”، للمخرج الفلسطيني أحمد حسونة، كونه فيلما معنيًا بتوثيق الحرب في غزة عبر عدسة صحفي يعيش تحت القصف، ويتخذ لنفسه زاوية مختلفة، ويضع أمام عدسته الصحفي الذي يوثق هذه الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، ويقترب من الإنسان خلف الكاميرا، ويتطلع بعيون مفتوحة إلى ما تحمله حياته الخاصة من مخاوف ومسؤوليات لا تنفصل عن عمله.
يتابع الفيلم المصور الصحفي أسامة العشي في شمال قطاع غزة، حيث تتقاطع محاولاته في تسجيل ما يجري حوله مع قلقه على أسرته، وتجربته في الأبوة للمرة الأولى. وينشغل الفيلم بتلك المسافات المتقاطعة بين الشهادة الصحفية والحياة الشخصية، لاستكشاف الثمن الإنساني لمهنة يصبح فيها توثيق الخطر جزءًا من عمل خطير بدوره.
قصص مقترحة
list of 4 itemsend of list
“المواطن أسامة” إنتاج فلسطيني فرنسي، ويمتد لنحو 69 دقيقة، وشهد عرضه العالمي الأول في قسم “فينيسيا المفتوح” خارج المسابقة بمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في سبتمبر/ أيلول 2026، قبل مشاركته في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، المقامة بين 15 و23 أكتوبر/ تشرين الأول. ويأتي عرضه في الجونة بعد اختيار فلسطين له لتمثيلها في سباق الأوسكار لعام 2027 عن فئة أفضل فيلم دولي.
أنسنة الصحفي في قلب المأساة
في الحروب، لا تقف الكاميرا على الجانب الآخر من المأساة، فمن يحملها في أغلب الأحوال شخص يعيش هذه المأساة، أو يعايشها من مسافة قريبة للغاية، ويضطر في كل ثانية للتوفيق بين واجبه في توثيق ما يجري حوله، ومحاولته للنجاة منه.
ينطلق الفيلم الوثائقي “المواطن أسامة” من هذه النقطة، فهو يتابع المصور الصحفي أسامة العشي في شمال قطاع غزة، حيث أصبحت مهنته في التصوير عبارة عن مواجهة يومية مع القصف والدمار، وبشكل متوازٍ تماما، تظل هناك حياته الشخصية التي عليها الاستمرار وسط هذه الظروف الاستثنائية، فلأسامة أسرة يخشى عليها، وهو أب يختبر مسؤوليات ومخاوف الأبوة في وقت يحمل خطر القصف والجوع والنزوح في كل ثانية.
لا يقدم “المواطن أسامة” بالضرورة معرفة جديدة عن الأخطار التي يواجهها الصحفيون الفلسطينيون، أو الثمن الذي يدفعونه مقابل نقل ما يحدث في غزة، وقد أصبحت صور الصحفيين تحت القصف، وشهاداتهم عن فقدان الزملاء والأقارب، جزءا متكررا من التغطية اليومية للحرب، غير أن الفيلم يحاول تغيير زاوية النظر إلى هذه التجربة، بالابتعاد نسبيًا عن الصحفي الشاهد على المأساة، والاقتراب منه كشخص تتجاوز حياته ما تلتقطه الكاميرا، وحياته خارج إطار التصوير، والعلاقات التي تمنح يومه معنى فيما يهدد العنف بالقضاء على أبسط مقومات الحياة.
تضع هذه المقاربة العمل الصحفي داخل سياقه الإنساني، ولا تتعامل معه كبطولة منفصلة عن الخوف والارتباط بالآخرين، فأنسنة الصحفي تأتي بكشف التوتر بين دوره في توثيق ما يعيشه الآخرون، وحقه الشخصي في حياة لا تختزلها الحرب.
جماليات القسوة وتناقضات النجاة
إذا كان “المواطن أسامة” يحاول الاقتراب من الصحفي باعتباره إنسانًا يعيش المأساة، لا مجرد شاهد ينقلها، فإن هذا الاختيار يمتد أيضًا إلى الطريقة التي يصوّر بها الحرب نفسها. فالفيلم يحاول أن يجد داخل المشاهد المألوفة للدمار ما يكشف عن تناقضات الواقع الذي أنتجها. وبين الكاميرا المحمولة باليد، التي تحتفظ باضطراب التسجيل المباشر، واللقطات التي تكتسب جماليات تصويرية لافتة، تتجاور الصورة الإخبارية مع محاولة بناء تجربة سينمائية مميزة بصريًا في بعض الأحيان، من دون أن تنفصل عن ظروف تصويرها.
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في مشاهد إسقاط المعونات الإنسانية من الجو، التي تُعد من أكثر لحظات الفيلم جمالا من الناحية البصرية، وقسوة من حيث دلالتها. تظهر المظلات وهي تهبط بحزم المساعدات، في مشهد قد يبدو من بعيد أقرب إلى استعراض جوي، قبل أن تكشف تفاصيله عن واقع أكثر تعقيدا: أناس يتزاحمون للوصول إلى ما قد يساعدهم على البقاء، بينما تهبط الحزم الثقيلة في مسارات لا يمكن التحكم فيها، وقد تتحول من وسيلة للإغاثة إلى مصدر خطر على من ينتظرونها، أو تسقط في البحر، فيضطر البعض إلى مواجهة التيار القوي في محاولة لاستعادتها.
لا تنفصل هذه الجماليات عن طبيعة الفيلم نفسه، الذي يعيد تقديم لقطات اعتاد الجمهور رؤيتها في التغطيات الإخبارية، لكن داخل بناء سينمائي يتيح التوقف عند تفاصيلها بدلًا من المرور عليها سريعًا، وإيجاد لحظات محدودة من الجمال داخل قبح يغطي كل التفاصيل.
الفكاهة واستعادة الحياة من قبضة المأساة
تمتد محاولة الاقتراب من أسامة وزملائه من الصحفيين خلف الكاميرا، من إظهار العلاقات العائلية إلى تفاصيل يومية قد تبدو هامشية وسط الحرب، ولكنها تكشف عن جوانب من الشخصيات لا تستوعبها صور الدمار والخسارة وحدها، فتظهر الفكاهة كوسيلة للتعبير عن الحياة التي تستمر رغم كل شيء، لا باعتبارها نقيضًا للمأساة أو وسيلة كافية للتغلب عليها.
فإصرار أحد زملاء أسامة على إلقاء النكات السخيفة، حتى حين لا يبدو أن هناك ما يدعو إلى الضحك، يكشف عن محاولة لإيجاد مساحة صغيرة للتنفس في واقع يضغط على الشخصيات باستمرار. وتتمثل أهمية هذه اللحظات في وجودها نفسه، إذ تتيح للشخصيات التصرف خارج حدود الأدوار التي تفرضها عليها الحرب، فالصحفي، للحظات محدودة، ليس مجرد شاهد حزين أو ضحية خائفة.
تأخذ هذه الفكاهة شكلًا أكثر تعقيدا عندما تمتد إلى السخرية من خوف المدنيين من الصحفيين، بعدما أصبح الظهور برفقة أحدهم سببًا محتملًا لاستهدافهم، وتنقلب هنا العلاقة المعتادة بين الصحفي ومن يُفترض أن ينقل معاناتهم، فبدلًا من أن يكون وجوده ضمانة لإيصال أصواتهم إلى العالم، يصبح مصدر قلق قد يدفعهم إلى تجنبه.
الفكاهة لا تلغي المأساة، مثلما لا تعني لحظات الألفة أن الشخصيات استطاعت تجاوز آثار الحرب، فعندما يتوقف والد أسامة عن منعه من الخروج للتصوير، قلقًا على حياته، بعدما يكتشف أن القصف قد يقتله وهو نائم في سريره، تظهر هنا المفارقة المضحكة المؤلمة، وقدرة الإنسان المدهشة على إيجاد سبب للابتسام في قلب المأساة المستمرة.
يختتم “المواطن أسامة” رحلته بالاحتفال بعيد الميلاد الأول لابن أسامة. فمرور عام على ولادة طفل في ظروف مماثلة يحمل معنى يتجاوز المناسبة العائلية، فهو إعلان عن استمرار الحياة، وتمسك أسامة وعائلته بأبسط مظاهرها رغم ما يحيط بها من تهديدات وصعوبات في المعيشة، جعلت البحث عن دقيق لخبز كعكة أمرًا في عداد المستحيل.
يطرح اختيار هذه اللحظة تحديدا لنهاية الفيلم سؤالا عن العلاقة بين الأمل الذي تحتاج إليه الشخصيات كي تواصل العيش، والأمل الذي يمنحه العمل للمتفرج عبر بنائه السردي. فالاحتفال هنا فعل إنساني مفهوم في سياقه، وتمنح النهاية المشاهد فرصة لالتقاط أنفاسه بعد متابعة المأساة، وكأنها تتيح له مغادرة الفيلم بشعور من الطمأنينة لا تسمح به بالضرورة الظروف التي يمثلها، كما لو أن الفيلم حريص على تخفيف وقع المأساة، بدلا من ترك أسئلتها وتناقضاتها مفتوحة أمام المتفرج.