تُعَد الحاجة الحمداوية أيقونة فن “العيطة” المغربي وصوتا استثنائيا جمع بين الموهبة الفذة والموقف الوطني، إذ جعلت الغناء الشعبي سلاحا في وجه الاستعمار الفرنسي.
وبحسب حلقة (2026/4/7) من برنامج “على النوتة” وهذا رابطها، فإن الحمداوية جمعت في مسيرتها ما يبدو متعارضا في الظاهر: عمق الجذر الشعبي وسموّ الأفق الإنساني، وحرارة الانتماء المحلي ورحابة الانفتاح الموسيقي.
فمن أزقة حي “درب كلوطي” في الدار البيضاء، ذلك الحي الذي أنجب طيفا من الفنانين والمقاومين أمثال الطيب الصديقي ونعيمة المشرقي وسعاد شوقي، انطلقت رحلة واحدة من أبرز أصوات فن العيطة في القرن العشرين.
نشأت الحمداوية في كنف والد هام عشقا في حب العيطة، وكان يرافق عمالقة الموسيقى الشعبية أمثال بوشعيب البيضاوي والماريشال قيبو والمفضل الحريزي.
وكان والدها يطلب منها وهي طفلة أن تغني أمام ضيوفه، فنمّى ذلك في نفسها جذوة للغناء والتمثيل لم يُخمدها حتى الزواج المبكر والانتقال إلى فاس.
وحتى اسمها يحمل قصة، فبينما أرادت والدتها تسميتها “حجاجية” رجح اختيار والدها “الحمداوية” على اسم الولي سيدي أحمد بن ناصر، لتحمل اسما غدا بعد سنوات يرادف العيطة في وجدان المغاربة.
وانسجاما مع هذه النشأة الفنية العميقة، لم تدخل الحمداوية عالم العيطة من بابه التقليدي مباشرة، بل دخلته من بوابة المسرح حين انضمت إلى فرقة بوشعيب البيضاوي الذي انبهر بصوتها.
زلزال إبداعي
وما إن استقرت في هذا الفن حتى أحدثت فيه زلزالا إبداعيا هادئا، كسرت نمطه المعتمد على “الوتار” والكمان والتعريجة، وأضافت إليه بعدا عصريا من خلال الاشتغال مع أوركسترا شعبية متكاملة.
وجاءت أغنية “منين أنا ومنين أنت” نموذجا ساطعا لهذا الابتكار، إذ جمعت فيها ألحانا متعددة بذكاء فني وصفه المنتقدون بأنه “منقطع النظير”.
وفي الاتجاه نفسه، جاءت اللحظة الفارقة حين التقت بالموسيقار الكبير سليم الهلالي، الذي فتح أمامها نوافذ جديدة على الموسيقى الأندلسية والشرقية وفن “الشكوري”.
وأخذها معه في جولات امتدت إلى الجزائر وتونس وفرنسا، حيث أطربت جمهور مارسيليا وغيرها من المدن الأوروبية. وبهذا الانفتاح على التقاليد الموسيقية المتعددة، رسَّخت الحمداوية مكانتها فنانة تتجاوز حدود المنطقة والجيل.
غير أن ما يميّز الحمداوية عن سائر فنانات جيلها هو ذلك الخيط الذهبي الرابط بين الفن والموقف الوطني، فحين نُفي السلطان محمد الخامس عام 1953، غنَّت “هيلي الشيباني” التي حملت في طياتها رسائل سياسية مشفَّرة ضد السلطان المفروض بن عرفة، فدفعت ثمن ذلك مضايقات واعتقالات متكررة على أيدي سلطات الحماية الفرنسية.
ولم يكن الفن بالنسبة إليها ترفا أو مجدا شخصيا، بل كان شهادة حيّة على زمن أراد الاستعمار طمسه.
الوجه الإنساني
وما إن انجلى غبار المقاومة حتى برز الوجه الإنساني الآخر للحمداوية، فهي التي لم تكتفِ بالعطاء الفني بل امتد أثرها إلى حياة من أحاطوا بها، وأسهمت في مساعدة الشباب ماديا وسَعَت في تزويج كثير منهم، وظلت قريبة منهم حتى أواخر أيامها تشجّعهم وتغني معهم.
وهكذا تحوّلت من مطربة يُستمع لها إلى حاضنة ثقافية يُستظل بظلها، وعاصرت الحمداوية ثلاثة ملوك، وظلت طوال تلك العقود رمزا للأناقة المغربية بتمسكها الدائم بالقفطان الأصيل.
واستطاعت أن تنقل العيطة من الأوساط الشعبية الضيقة إلى البيوت المغربية كافة، وأن تجعل منها فنا محترما يتغنى به الجميع. ورحلت الحمداوية، لكن صوتها لا يزال يسكن جدران الذاكرة المغربية، يتردد كلما عزف وتر وارتفع نشيد.
وتُعرف العيطة بأنها تراث شعري غنائي موسيقي شفوي، وممارسة فنية عربية اللسان توارثتها وتناقلتها أجيال عن أجيال، ولا يُعرف مؤلفها الشعري والموسيقي، وإنما تقوم مثل كل تراث شفوي على مصدر مجهول.
وقد بلغ هذا الفن ذروته أيام الاستعمار، حين تحوَّل إلى أداة للمقاومة ووسيلة لتمرير الرسائل بين الخلايا السرية، قبل أن يعاني التهميش والإقصاء على مدى عقود لارتباطه بالعمق البدوي، إلى أن جاءت فنانات استثنائيات مثل الحمداوية لينتزعنه من هامش التجاهل ويضعنه في صميم الهوية المغربية.
Published On 7/4/2026