الدراما الكورية من الأكثر تأثيرا في العالم ثقافيا واقتصاديا، إذ حققت في 2025 نحو 16.4 مليار دولار، كما دعمت ما يقارب 291 ألف وظيفة في مختلف أنحاء البلاد. ويؤكد تقرير صادر عن مؤسسة الفيلم الأمريكي “إم بي إيه” (MPA) وأوكسفورد إيكونوميكس (Oxford Economics) أن المحتوى الكوري “كيه-كونتنت” (K-content) أصبح قوة ثقافية عالمية تساهم في زيادة الصادرات وتعزز السياحة والانخراط الثقافي الدولي.
وأشار التقرير إلى أن شركات كبرى مثل نتفليكس (Netflix)، ديزني (Disney) ووارنر براذرز (Warner Bros) تستثمر بشكل متزايد في النظام الإنتاجي الكوري، وتعمل مع صناع محليين لتطوير وإنتاج وتوزيع المحتوى عالميا.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
السينما والتلفزيون في المقدمة
وكشف التقرير، الذي حمل عنوان “المساهمة الاقتصادية لصناعة الإعلام المرئي والمسموع في كوريا الجنوبية”، أن قطاع السينما والتلفزيون والبث الرقمي ساهم بما يصل إلى 24.08 تريليون وون كوري (نحو 16.4 مليار دولار)، في الناتج المحلي الإجمالي، مع توفير 291100 وظيفة بحلول عام 2025، في مؤشر واضح على تحول الصناعة إلى أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
وقد تم تقديم التقرير في الجمعية الوطنية في سول أمام مشرعين وقادة الصناعة، وتم تقييم الأثر الاقتصادي الكامل للقطاع، بما يشمل الإنتاج المباشر، وسلاسل التوريد، والإنفاق الاستهلاكي المرتبط به.
وأظهرت النتائج أن كل مليار وون كوري تنتجه الصناعة مباشرة يولد 2.1 مليار وون إضافية في الاقتصاد، أي بمضاعفات إجمالية تبلغ 3.1، فيما تصل مضاعفات التوظيف إلى 3.4، ما يعني أن كل 100 وظيفة مباشرة تدعم 240 وظيفة إضافية في قطاعات أخرى.
وتكشف الأرقام أن 78% من وظائف القطاع تتركز في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع استحواذ المؤسسات متناهية الصغر وحدها على 36% من إجمالي الوظائف، بينما تصدر قطاع المعلومات والاتصالات قائمة القطاعات المرتبطة بالصناعة من حيث التوظيف، بعدد بلغ 116500 وظيفة، مما يعكس الطبيعة الرقمية المكثفة للإنتاج الإعلامي الكوري.
وعلى مستوى القطاعات، حافظ التلفزيون على موقعه باعتباره أكبر مساهم اقتصادي، إذ ضخ نحو 15.62 تريليون وون كوري (نحو 10.6 مليارات دولار)، أي ما يعادل 65% من الناتج المحلي للقطاع، ووفر 181200 وظيفة.
وساهم قطاع السينما بـ4.96 تريليون وون (نحو 3.4 مليار دولار) و77800 وظيفة، بينما أضافت خدمات الفيديو حسب الطلب 3.5 تريليون وون (نحو 2.4 مليار دولار) و32100 وظيفة، مع تحقيق إيرادات ضريبية بلغت 7.17 تريليون وون (نحو 4.9 مليار دولار).
ويبرز قطاع الفيديو حسب الطلب بوصفه الأكثر إنتاجية، إذ يبلغ متوسط مساهمة العامل فيه نحو 437 مليون وون للفرد (نحو 297 ألف دولار)، أي ما يقارب خمسة أضعاف المتوسط الوطني، بينما جاء قطاع التلفزيون في المرتبة الثانية بمساهمة تبلغ 107 ملايين وون للفرد (نحو 73 ألف دولار).
اندماج وانكماش
ويتوقع التقرير أن يكون هذا القطاع الرقمي الأسرع نموا، مع زيادة سنوية متوقعة تصل إلى 7.4% في مساهمته الاقتصادية و7.2% في الإيرادات الضريبية حتى عام 2028، في حين يرجح أن يشهد قطاعا السينما والتلفزيون انكماشا طفيفا نتيجة التحول المتزايد نحو منصات البث الرقمي.
ويشير التقرير إلى أن الاندماج المحتمل بين منصتي “تيفينغ” (Tving) “وويف” (Wavve) قد يؤدي إلى إنشاء كيان محلي يضم نحو 9.3 مليون مستخدم نشط شهريا، مما يعزز قدرة المنصات الكورية على المنافسة مع الشركات العالمية.
كما رصدت الدراسة نموا ملحوظا في الصادرات الثقافية، إذ بلغت صادرات المحتوى الكوري 1.8 تريليون وون (1.2 مليار دولار) في 2024، مقارنة بـ899 مليار وون (نحو 612 مليون دولار) في 2019، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 14.5%، متجاوزة صادرات تقليدية مثل المشروبات وقاطرات السكك الحديدية.
وتشكل آسيا السوق الرئيسية لهذه الصادرات بنحو ثلثي الإجمالي، إلا أن حصة أمريكا الشمالية وأوروبا ارتفعت إلى نحو 14%، في دلالة على توسع الحضور العالمي للمحتوى الكوري وتعزيز شراكاته الدولية.
ولا يقتصر التأثير على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى السياحة، إذ أفاد 38.3% من الزوار الدوليين بأن المحتوى الكوري كان الدافع الرئيسي لزيارة البلاد، مقارنة بـ32.1% في العام السابق. ويبرز مسلسل “وين لايف غيفز يو تانجرينز” (When Life Gives You Tangerines) الذي عرض عام 2025 مثالا على ذلك، إذ ساهم في زيادة عدد الزوار إلى جزيرة جيجو بنسبة 17.5%، مع ارتفاع ملحوظ في زيارة المواقع المرتبطة بالعمل.
وفي تعليقه على النتائج، قال بو سون، المدير الإداري لـ”إم بي إيه” (MPA) كوريا لمجلة فارايتي (Variety) “إن صناعة السينما والتلفزيون في البلاد تجمع بين القوة المحلية والانتشار العالمي، ويمتد تأثيرها إلى التوظيف والصادرات والنمو الاقتصادي طويل الأجل”.
فيما أكدت النائبة ليم أو كيونغ أن القطاع لم يعد مجرد امتداد للموجة الكورية، بل أصبح “محركا رئيسيا للاقتصاد الوطني”. وفي إطار تعزيز الاستدامة، خصصت الحكومة الكورية 43 مليار وون (نحو 29 مليون دولار) ضمن خطة 2026 لتدريب نحو 3400 متخصص في مجالات الذكاء الاصطناعي والإنتاج الإبداعي، مع برامج لإعادة تأهيل العاملين في قطاع البث بالشراكة مع منصات عالمية، إضافة إلى مبادرات لدعم المواهب الشابة.
ورغم هذا النمو، يحذر التقرير من تحديات مستمرة، أبرزها عدم تعافي دور العرض السينمائي بالكامل بعد الجائحة، وتراجع الأفلام متوسطة الميزانية نتيجة ارتفاع التكاليف، إلى جانب بيئة تنظيمية متقلبة تؤثر على ثقة المستثمرين، مما يجعل من التقرير مرجعا أساسيا لصياغة سياسات مستقبلية تحافظ على تنافسية هذا القطاع الحيوي.