Published On 15/4/2026
اقتفاء لأثر الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة أحد أكبر المستكشفين المسلمين عبر التاريخ، أو “أمير الرحالين العرب المسلمين” كما لقبته جامعة كامبريدج البريطانية، واستحضارا لكتاب “الأمير الصغير” المسافر بين المجرات الذي أسعد الكثير من الأطفال في مختلف أنحاء العالم، الذي سيحتفى هذا العام بالذكرى 83 لصدور أول طبعة منه.
ينطلق المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في دورته 31 بزواره في سفر معرفي تحت شعار “الكتاب سفر، والسفر كتاب”، تزامنا مع انطلاق الاحتفاء باختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026 من قبل منظمة اليونسكو، الذي سيبدأ يوم 23 أبريل/نيسان الجاري بمناسبة اليوم العالمي للكتاب.
لم يكن اختيار الرحالة المغربي ابن بطوطة كشخصية رئيسية ومحور أساسي لهذه الدورة الجديدة من المعرض الدولي للكتاب بالرباط، بداية من 30 أبريل/نيسان إلى 10 مايو/أيار المقبل، اعتباطا، بل لأنه رحالة جاب مختلف البلدان في عصره، وقدم نموذجا للشخصية المغربية وللرحالة الباحث والشغوف بالمعرفة، الذي اختار السفر والرحلة لاكتشاف الآخر والغوص في مختلف المعارف والعلوم في بقاع العالم.
بوصلة العارضين: 891 نافذة على العالم
ويشارك في الدورة 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، التي اختارت فرنسا كضيف شرف، 891 عارضا يمثلون 61 بلدا، منهم دول تحضر لأول مرة في هذا المعرض كبعض بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية. يقدم المعرض أكثر من 130 ألف عنوان أي أكثر من 3 ملايين نسخة، تحتل فيها الآداب نسبة 25% والعلوم الاجتماعية نسبة 17%، واللغات 14%، فيما تظل نسبة كتب الطفل 10%.
وتتوزع الأنشطة الثقافية على التكريمات، والبرنامج المهني، وليالي الشعر، ومحور الدورة عن ابن بطوطة وأدب الرحلة، والذكرى المئوية التي سيتم الاحتفاء فيها بميلاد الكاتب المغربي إدريس الشرايبي، والروائية أمينة اللوه، والشاعر العراقي بدر شاكر السياب، والفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، والفيلسوف ابن رشد الذي مرت 900 سنة على ميلاده.

فرنسا ضيف الشرف: جسور باريس والرباط
وجاء اختيار فرنسا كضيف شرف لهذه الدورة، من أجل الاحتفاء بالعلاقات الثقافية المغربية الفرنسية القوية، والتي تعززت باستضافة فرنسا العام الماضي 2025 للمغرب كضيف شرف في مهرجان باريس للكتاب. وأوضح سفير فرنسا بالمغرب كريستوف لوكورتييه، أنه سيتم التركيز على الشباب والجمهور الناشئ عبر تنظيم ما لا يقل عن 125 نشاطا، يتضمن لقاءات أدبية مع 15 كاتبا مدعوا، على غرار آني إيرنو الحائزة على جائزة نوبل للآداب لسنة 2022.
رواق ابن بطوطة: حوار المشرق والمغرب
ومن خلال شخصية ابن بطوطة سيتم تسليط الضوء على أدب الرحلة، عبر استضافة مؤسسات متخصصة مثل “مؤسسة عبد الهادي التازي” بالمغرب و”المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق” في أبو ظبي ولندن، التي يشارك فيها الباحثون المغاربة الذين حصدوا العديد من جوائزها السنوية.
ولتسليط الضوء على عالمية الأدب المغربي، سيخصص المعرض رواقا خاصا بابن بطوطة سيضم مخطوطات ووثائق نادرة، وخرائط تحكي مسار رحلته من المغرب إلى الصين، ومنصة تفاعلية تتيح لزوار المعرض اللقاء المباشر بابن بطوطة، وعرض مجموعة من الأفلام الوثائقية حول أهم الرحلات عبر التاريخ، إضافة إلى مكتبة خاصة بأدب الرحلة.

فضاء الأمير الصغير: استعادة طفولة العالم
ولخلق حوار بين ابن بطوطة مستكشف العالم و”الأمير الصغير” مستكشف الروح، سيتم تخصيص فضاء لكتاب “الأمير الصغير” للكاتب والطيار الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي تأثر بالمغرب واستلهم روايته من تجربته في صحراء طرفاية حيث سقطت طائرته عام 1935 فأغرم بالصحراء والأدب، واستلهم من سكون الصحراء وكثبانها الرملية وأجوائها أعماله الأدبية الكبرى مثل “بريد الجنوب” و”أرض البشر” و”الأمير الصغير”. ويعد من أشهر قصص أدب الأطفال في العالم والأكثر ترجمة إلى مختلف لغات العالم واللهجات المحلية.
وقد جرى تصميم الفضاء ليكون على هيئة مسار تفاعلي يقدم رحلة بين النجوم والكواكب، وتجارب حسية وشاعرية تربط بين الطفولة وسن الرشد عبر المقولة الشهيرة لإكزوبيري “جميع البالغين كانوا أطفالا في يوم من الأيام، لكن قلة منهم فقط من يتذكر ذلك”. وسيعرف الفضاء حضور رائد الفضاء الفرنسي فيليب بيران، والاحتفاء بمرور 83 سنة على صدور الطبعة الأولى من الكتاب.

الرباط 2026: عاصمة الأنوار والمعرفة
ولأن الدورة 31 تتزامن مع تنصيب الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026، فقد أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أن هذا الحدث “ليس مجرد احتفالية بروتوكولية، بل هو إعلان عن انتصار المعرفة في قلب مدينة الأنوار”. وقدم التحية لبائعي الكتب المستعملة في المدينة القديمة، ولالسيد محمد بلعربي أقدم كتبي بالعاصمة الذي قضى أكثر من 63 سنة في خدمة الكتاب.

من جهته، اعتبر مدير مكتب اليونسكو بالمنطقة المغاربية شرف أحميمد أن اختيار الرباط “اعتراف كبير” يكرس الرؤية الملكية لجعل العاصمة ملتقى للثقافات، مؤكدا أن اليونسكو ستصاحب الرباط طوال السنة لتعزيز الصناعات الإبداعية وتقوية قدرات الفاعلين في صناعة الكتاب.
لكن الأسئلة تظل معلقة حول مدى تحقق هذه الالتزامات؛ خاصة مع إشراك الناشرين في البرمجة بشكل متأخر، حيث أكد رئيس اتحاد الناشرين المغاربة طارق سليكي للجزيرة نت أن التواصل معهم لم يتم إلا في فبراير/شباط الماضي، رغم صدور الإعلان العالمي منذ عام. كما يبرز تحدي ‘الدعم الحكومي’ الذي يراه مراقبون عاجزا عن خفض أسعار الكتب أو تشجيع القراءة، بل حول دور النشر إلى كيانات تنتظر المنح، مما دفع الكتاب المغاربة للهجرة نحو دور نشر عربية أو النشر على نفقتهم الخاصة.